إلى غير غاية، وكأن هذه العبارة يجنح قائلها إلى أن القدم والبقاء صفتان نفسيتان لأنهما عنده الوجود المستمر في الماضي والمستقبل، والوجود نفسي لعدم تحقق الذات بدونه، وهذا المذهب ضعيف لأنهما لو كانتا نفسيتين لزم أن لا تعقل الذات بدونهما، وذلك باطل بدليل أن الذات يعقل وجودها
[حاشية الدسوقي]
حادث على ما مر. (قوله: إلى غير غاية) أي استمرار الأنهاية له، والغاية هي النهاية ففي كلامه تفنن.
(قوله: وكأن هذه العبارة) أي قوله استمرار الوجود، وأتى بالكأنية المفيدة لعدم الجزم بمدخولها لما سبق من الاحتمالات الجارية في عبارة ذلك البعض. (قوله: يجنح) أي يميل. (قوله: صفتان نفسيتان الخ) أي فعلى هذا يكون الوجود بقيد الاستمرار صفة نفسية، قال السكتاني: ولم أقف إلى الآن على من يجعل الوجود بقيد الاستمرار وصفًا نفسيًا، ولكن المؤلف رحمه الله مطلع، وذكر الشيخ الملوى أن غيره اطلع على أنه قول للأشعري، وفي جعل الوجود بقيد الاستمرار صفة نفسية ما سيأتي.
(قوله: لأنهما عنده الوجود المستمر) أي على جعل إضافة استمرار إلى الوجود من إضافة الصفة للموصوف، وهو علة للكأنية، وفيه أن تلك العلة تقتضى الجزم بأنهما عنده صفتان نفسيتان وهو مناف لما أفادته الكأنية من عدم الجزم بذلك، فكان الأولى أن يقول لاحتمال أن يكونا عنده الوجود المستمر الخ. (قوله: والوجود نفسى) أي صفة نفسية للموجود، والصفة النفسية هي التي لا تتحقق الذات خارجًا بدونها كالتحيز للجرم، فإن الجرم لا يتحقق في الخارج بدونه، بخلاف القدرة مثلًا، فإن الجرم لا يتوقف تحققه في الخارج عليها، ألا ترى الحجرية مثلا فهي ليست صفة نفسية، وربما أفاد كلامه حيث لم يقيد الوجود بالاستمرار أن الصفة النفسية أصل الوجود لا الوجود بقيد الاستمرار الذي الكلام فيه، وحينئذ فالدليل لا ينتج المدعى وهو الكأنية، فإن حمل كلامه على الوجود المستمر الذي الكلام فيه وَرَدَ عليه أن الكلام لا يتم، لأن الذات تتحقق خارجا بدون استمرار الوجود، نعم أصل الوجود صفة نفسية لأنه لا تتحقق الذات خارجا بدونه.
والحاصل أنه إن حمل الوجود في كلامه على أصل الوجود فنسلم أنه صفة نفسية لا تتحقق الذات بدونه، لكن ليس حديثنا فيه وحينئذ فلا ينتج الدليلُ المدعى، وإن حمل الوجود على الوجود بقيد الاستمرار فلا نسلم أنه صفة نفسية لما سبق.
(قوله: لعدم تحقق الذات بدونه) أي وكل ما لا تتحقق الذات بدونه فهو صفة نفسية، وقوله لعدم تحقق الذات بدونه أي في الخارج لا في العقل؛ لأنه قد يُتَعَقَّل الموصوف بدون صفته، ولو كانت نفسية ألا ترى أن التحيز للجرم صفة نفسية له، ولا يتوقف تعقل الجرم على تعقل التحيز.
(قوله: وهذا المذهب) أي القول بأن القدم والبقاء صفتان نفسيتان.
(قوله: لأنهما لو كانتا الخ) فيه أن هذا الدليل ينتج البطلان لا الضعف، وقد يجاب بأن المراد بقوله ضعيف باطل. (قوله: لزم أن لا تعقل الخ) قضيته أن الصفة النفسة هي التي لا تحصل الذات في العقل بدونها، بل متى تعلقت الذات تعلقت تلك الصفة، وليس كذلك بل هي التي لا تتحقق الذات في الخارج بدونها لا في العقل إذ الموصوف قد يتعقل بدون صفته النفسية كما سبق، فالملتفت له الخارج لا العقل كما هو ظاهره، على أن كلامه مناف لقوله لعدم تحقق الذات بدونه، إذ المتبادر منه التحقق في الخارج لا التحقق في العقل، ويمكن الجواب بأن مراده لزم أن لا تُتَعقل الذات موجودة في الخارج بدونهما، ويدل عليه قوله بدليل أن الذات يعقل وجودها أي خارجًا، والمعنى لزم أن لا يعقل أي لا يصدق العقل بوجود الذات خارجا إلا بهما، تأمل.
وأجاب الشيخ يس بجواب آخر: وحاصله أن المراد بالتعقل التحقق خارجًا، فالمعنى لزم أن لا تتحقق الذات بدونهما خارجًا، لكن اللازم باطل لأن الذات متحققة بدونهما فلم يكونا نفسيتين بل سلبيتين، والقرينة على أن المراد بالتعقل التحقق قوله أولًا: لعدم تحقق الذات بدونه.
(قوله: وذلك) أي عدم تعقل الذات بدونهما باطل، وهذا إشارة للاستثنائية، ويحتمل أنه إشارة لقضية حملية فيكون القياس حمليًا لا شرطيًا، وقوله بدليل الخ هذا دليل للمقدمة الثانية المشار لها بقوله وذلك باطل. (وقوله: أن الذات يعقل وجودها) أي يصدق العقل بوجودها خارج الأعيان؛ هذا على الجواب الأول، وقال يس أي تتحقق ذهنا وخارجا وجودها ولا يتحقق معها القدم.