ولا في صفاته ولا في أفعاله.
(ش) يعنى أن الوحدانية
[حاشية الدسوقي]
العلماء في الدات والصفات دون الأفعال، وقول المصنف أي لا ثاني له في ذاته ظاهر في نفي الكم المنفصل في الذات ولا يفهم منه نفي الكم المتصل فيها، وذلك لأن ثاني إنما يصدق على النظير وهو ظاهر في الكم المنفصل لأنه نظير.
والحاصل أن قوله أي لا ثاني له في ذاته دلالته على نفي الغير بينة؛ لأن المعنى لا ثاني لمولانا مشارك لذاته، وأما دلالته على نفي التركيب في حقيقة الإله فغير بينة؛ لأن غاية ما يدل عليه الكلام نفي أن يكون لمولانا ثان مشارك لذاته، وذلك لا ينافي حصول التركيب في ذات مولانا كما نقول لا ثاني للشمس أو القمر في الحقيقة، والحال أن حقيقة كل واحد منهما مركبة، وذكر بعض أرباب الحواشي أن نفي الكم المتصل في الذات يمكن أخذه من المتن بمعونة أن يُقال لو كان المولى مركبا من أجزاء لقامت الألوهية بكل جزء لتماثل الأجزاء، فقيامها بأحدها دون غيره تحكم، وإذا قامت الألوهية بكل جزء صار كل جزء إلها فصدق على كل جزء أنه ثان بهذا التقرير، وقد نفاه المصنف بقوله أي لا ثاني له في ذاته أي اتصالا وانفصالاُ، والمراد بالمنفصل المماثل في الذات المستلزمة للصفات إذْ لا تصدق ذات تماثل ذاتًا إلا مع الأوصاف، واعلم أن في نفي الكم المتصل في الذات ردًا على المجسمة، وفي نفي الكم المنفصل فيها ردا على الثنوية المشركين، ثم إن قوله لا ثاني له في ذاته لا نفية للجنس وثاني اسمها و"له"متعلق بثاني، وقوله"في ذاته"خبر لا، وفي بمعنى اللام، والمعنى لا ثاني له مشارك لذاته، واللام مقوية لضعف العامل بالفرعية، ويصح أن يكون"في ذاته"متعلقا بثاني، و"في"بمعنى اللام، و"له"خبر لا، أي لا ثاني لذاته مشارك له، وضمير ذاته وله عائد على مولانا السابق، وإنما فسر المصنف الوحدانية وإن كان التفسير من وظائف الشراح لتركب معناها، ولما فيها من التفاصيل، واقتصاره في تعريفها على نفي الثاني لاستلزام نفيه نفي كل ما وراءه من العدد كالثالث والرابع وغير ذلك، وفي تفسير الوحدانية بما ذكر تسامح لأن ما ذكر تفسير للواحد لا للوحدانية إذ هي نفي الاثنينية فتأمل.
(قوله: ولا في صفاته) أي لا ثاني له في صفاته، الظاهر منه نفي النظير وهو الكم المنفصل في الصفات كأن يفرض حادث يقوم به أوصاف الألوهية المماثلة لصفات الله، وأما دلالته على نفي التعدد في صفات الله وهو الكم المتصل فيها فغير بينه إلا أن يُقال كما قال بعضهم: قوله ولا في صفاته يعنى اتصالا وانفصالا، وحينئذ فيكون مفيدًا لنفي الكم المتصل والمنفصل في الصفات كذا قيل. والحق أن الكم المتصل لا يتأتى في الصفات لأن الكم المتصل عبارة عن المقدار الحاصل من اتصال شيئين فأكثر، وأنت خبير بأن الصفات يستحيل فيها الاتصال فجعل العلمين أو القدرتين مثلًا كَمًَّا متصلا فيه تسامح، ثم إن نفي التعدد فيها فيه رد على بعض أئمتنا في إثباتهم علومًا وقُدَرًَا وإرادات بحسب المقدورات.
والحاصل أن ظاهر المصنف قصر قوله ولا في صفاته على نفي النظير فيها، ولم يدرج فيه نفي تعدد الصفات، وما فعله وإن كان مذهبه نفي الأمرين أعني نفي النظير في الصفات ونفي تعددها أولى بعبارته إذ ثبوت قدرةٍ ثانيةٍ مثلًا لا يصدق عليها أنها ثان له، فلا يشملها قوله لا ثاني له في صفاته فلذا قصره المصنف على نفي النظير. (قوله: ولا في أفعاله) لما كان لا يلزم من نفي الكم المنفصل في الصفات نفى أن يكون غيره مشاركا له في فعل من الأفعال، إذ الشركة في الأفعال تتحقق بمشاركة قدرة المولى لقدرة حادثة، وليست كقدرته كما يقول بعضهم: إن الفعل كالصلاة مثلا اشترك فيها قدرة الرب وقدرة العبد نفى ذلك بقوله ولا في أفعاله، وكان المناسب أن يقول ولا في الأفعال بال الاستغراقية لأن كلامه أعني قوله ولا ثاني له في أفعاله أي في الأفعال المنسوبة إليه يوهم أن لغيره أفعالًا وإن كان لا يشارك المولى في الأفعال المنسوبة له؛ وهذا مذهب أهل الاعتزال.
والجواب: أن مراده بأفعاله الممكنات كلها فيعم الاختياري لنا وغيره، إذ الإمكان منشأ الاحتياج، فلا فرق بين الممكنات، فكأنه قال لا شريك له في الممكنات، ورُدَّ بقوله ولا في أفعاله على المعتزلة القائلين إن للعبد قدرة خلقها المولى؛ وتلك القدرة لا توجد ذواتًا بل أفعالا اختياريةً، فالمعتزلة لم يثبتوا الكم المنفصل في الصفات وإنما أثبتوا الشريك في الأفعال، فعلمت من هذا مغايرة الكم المنفصل في الصفات للشريك في الأفعال، لأن نفي الكم المنفصل في الصفات معناه أنه ليس