فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 238

وذلك لا يعقل.

(ش) لا شك أن الممكن في اصطلاح المتكلمين مرادف للجائز، فيكون معناه هو الذي يصح في العقل وجوده وعدمه، فإذًا لو وجب وجوده عقلًا أو استحال عقلًا لزم قلب الحقائق، وذلك لا يعقل، وأيضا فالمعتزله إنما بوجبون من الممكنات على الله تعالى فعل الصلاح والأصلح للخلق، والمشاهدة والشرع يقضيان بفساد قولهم في ذلك كما أشرنا إليه فيما سبق عند شرح قولنا في أصل العقيدة"واما الجائز في حقه تعالى فلو وجب فعل الصلاح والأصلح على الله تعالى كما تقوله المعتزلة لهداهم سبحانه وتعالى إلى الصواب في عقائدهم ولما تركهم"

[حاشية الدسوقي]

ممكن، فقد انقلب الممكن واجبًا، وقال بعضهم في بيان الملازمة هو أنه لا فرق بين ما يجب له كالصفات العشرين، وما يجب عليه في أنَّ كُلًا واجب عقلي، فلو كان من الممكنات ما هو واجب عليه كما يقوله المعتزلة لانقلب واجبًا، فتنقلب حقيقته وهو واضح. (قوله: وذلك لا يعقل) يحتمل أنه إشارة إلى استثنائية الدليل، والأصل لكن انقلاب الممكن واجبًا أو مستحيلًا باطلٌ، فبطل المقدم وهو وجوب شيء من الممكنات، أو استحالته عليه تعالى، فثبت نقيضه وهو جواز الممكنات كلها في حقه، ويحتمل أن يكون قوله وذلك لا يعقل إشارة لقضية حملية، وحينئذ فالقياس اقتراني مركب من شرطية وحملية، ونظمه هكذا: لو وجب عليه شيء من الممكنات عقلا أو استحال شيء منها لانقلب الممكن واجبا أو مستحيلا، وانقلاب الممكن واجبا أو مستحيلا باطل، ينتج وجوب شيء من الممكنات عليه تعالى أو استحالة شيء منها عليه باطل.

(قوله: وذلك لا يعقل) أي لا يحكم العقل به، ولا يقبله، وليس المراد أنه لا يدركه العقل، أي لا يتصوره، إذ لو لم يتصوره لم يحكم ببطلانه، ثم إن ظاهره أن انقلاب الممكن واجبًا أو مستحيلًا لا يقبله العقل، لكون استحالته ضرورية، مع أنها نظرية، وذلك لأن المانع من انقلاب الممكن واجبا أو مستحيلا ما يترتب على ذلك من تخلف صفة النفس، والحال أن ما بالذات لا يتخلف، بيان ذلك أن إمكان الممكن صفة نفسية له، ومن المعلوم أن الصفة النفسية لا تقبل الزوال، فلو اتصف بالوجوب لزم زوال الإمكان الذي هي صفة نفسية، وإزالتها مستحيلة، والجواب أن قوله لا يعقل أي بعد النظر في الدليل.

(بقي شيء آخر) وهو أن قوله لو وجب شيء منها عقلا معناه لو ثبت الوجوب لشيء منها بحيث صار لابد من وجوده، وقوله لانقلب الممكن أي ظهر انقلاب الممكن، وبهذا التقدير صار المقدم وهو قوله لو وجب مغايرًا للتالى، وهو قوله لانقلب الخ، كذا قيل، ولا حاجة له لأن المراد فلأنه على تقدير وجوب شيء منها أو استحالته لانقلب الممكن الخ تأمل.

(قوله: لا شك أن الممكن مرادف للجائز في اصطلاح المتكلمين) أي وأما عند المناطقة فيطلق بمعنيين: الأول ما صح في العقل وجوده وعدمه، ويقال له ممكن بالإمكان الخاص، كقيام زيد وثبوت الحرارة للنار، فتقول زيد قائم بالإمكان الخاص، والنار حارة بالإمكان الخاص، بمعنى أن ثبوت القيام لزيد، وثبوت الحرارة للنار جائز يصح وقوعه عقلًا وعدم وقوعه.

والثاني: ما لا يمتنع وقوعه فيشمل الواجب والجائز، فالأول كصفاته تعالى الواجبة، والثاني كإثابة المطيع، فتقول الله موجود أو قادر أو عالم بالإمكان العام، بمعنى أن ثبوت الوجود له وما معه ليس بممتنع، بل واجب، وتقول إثابة الله للطائعين ممكنة بالإمكان العام بمعنى أنها غير ممتنعة بل جائزة.

(قوله: فإذا) أي فإذا كان الممكن ما صح وجوده وعدمه، أي لو وجب وجوده أي الممكن عقلًا الخ، واحترز بقوله عقلا من وجوبه شرعًا، فإنه لا ضرر فيه، وذلك كإثابة الطائع فإنه واجب شرعًا لوعد الله به، وجائز عقلًا، فالمضر إنما هو صيرورة الممكن واجبًا لذاته، أو مستحيلا لذاته، وأما صيرورته واجبًا لغيره أو مستحيلا لغيره فهذا واقع ولا ضرر فيه. (قوله: وذلك لا يعقل) أي لا يقبله العقل بعد النظر في الدليل، وهو لزوم تخلف الصفة النفسية، والحال أنه محال كما مر. (قوله: والمشاهدة والشرع يقضيان بفساد قولهم) أما قضاء المشاهدة بفساد قولهم فلوقوع المحن للناس من فقر ومرض، فإن هذه لا مصلحة فيها، وأما قضاء الشرع بذلك فلأنه أتى بتكليف العباد، وهو مشتمل على المشاق والمكاره، وليس فيه مصلحة بحسب الظاهر، فإن قالوا إن المحن والتكليف فيهما مصلحة باعتبار ما يترتب عليهما من الثواب، قلنا لهم: الله قادر على إيصال الثواب بدون التكليف والمحن. (قوله: لهداهم سبحانه وتعالى إلى الصواب في عقائدهم) أي لكن التالي وهو هدايتهم في عقائدهم باطل، فبطل المقدم وهو وجوب فعل الصلاح والأصلح عليه تعالى، فثبت نقيضه وهو عدم وجوب ذلك عليه، وهو المطلوب. اعترض بأن هذا لا يكون حجة على الخصم لأنه يمنع بطلان تالى الشرطية القائلة لكن التالي باطل لأنهم يزعمون أنهم على هدى من الله في عقائدهم، وأجيب بأن هذا دليل بالنسبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت