المسمى أيضا بكلام الله تعالى حقيقة لغوية لوجود كلامه عز وجل فيه بحسب الدلالة لا بالحلول، ويسميان قرآنا أيضًا، وكنه هذه الصفة وسائر صفاته تعالى محجوب عن العقل كذاته جل وعز، فليس لأحد أن يخوض في الكنه بعد معرفة ما يجب لذاته تعالى ولصفاته، وما يوجد في كتب علماء الكلام من التمثيل بالكلام النفسي في الشاهد عند ردهم على المعتزلة القائلين بانحصار الكلام في الحروف والأصوات لا يفهم منه تشبيه كلامه جل وعز بكلامنا النفسي في الكنه، تعالى وجل عن أن بكون له شريك في ذاته أو صفاته أو أفعاله، وكيف يتوهم أن كلامه تعالى مماثل لكلامنا النفسي وكلامنا النفسي أعراض
[حاشية الدسوقي]
منه. (قوله: المسمى) أي النظم، (وقوله: أيضا) أي كما تسمى الصفة (قوله: حقيقة لغوية) أي فكلام الله مُشتركٌ اشترا كًا لفظيا يطلق على كل من النظم والصفة اطلاقا حقيقيًا لوضعه له في اللغة. (قوله: لوجود الخ) اعترض بأن الحقيقة لا تحتاج لعلاقة؛ وإنما يحتاج لها المجاز فلا حاجة لقوله لوجود الخ؛ وجوابه أن هذا بيان لوجه تسمية النظم بكلام الله حقيقة دون غيره، وليس إشارة للعلاقة، وأنه من تسمية الدال باسم المدلول المقتضي أن الاطلاق مجاز فَيُنَافِيْ قولَه أولًا حقيقة لغوية.
وحاصله أنه إنما سمى النظم المعجز بكلام الله لدلالة النظم على كلام الله أو على مدلول كلام الله على ما تقدم من إرادة الدلالة العرفية أو العقلية، أو أنه علة لوجه إضافته لله على كل تقدير؛ أي سواء قلنا إنه نزل بلفظه أو نزل بمعناه واللفظ من عند الله أو من عند جبريل أو من عند النبي صلى الله عليه وسلم. (قوله: بحسب الدلالة لا بالحلول) أشار بهذا إلى أن وجود الشيء في الشيء إما أن يكون بحسب حلوله فيه كوجود زيد في المسجد، وإما أن يكون بحسب دلالته عليه كوجود المعنى في اللفظ، وما هنا وهو وجود كلام الله بمعنى الصفة القديمة في النظم المعجز من هذا القبيل، فمعنى وجود الصفة في النظم أنه دال عليها أو على ما تدل عليه؛ لا أنها حالة فيه؛ لأن القديم لا يحل في مكان وإلا لزم الحدوث، وكما لا يقال إن كلام الله حال في اللفظ المعجز لا يقال كلام الله حال في لسان أو قلب أو مُصحفٍ وإن أريد بكلام الله اللفظ المعجز تأدبا. (قوله: ويسميان) أي الصفة القديمة والنظم المعجز (قوله: قرآنا أيضا) أي كما يسميان بكلام الله. (قوله: محجوب عن العقل الخ) أي عن كل عقل حتى عن عقول الرسل، أي وحينئذ فالتعاريف المتقدمة رسومٌ، ثم إن المحجوب عنه حقيقة هو النفس لأنها هي التي شأنها إدراك الأمور وإنما أسند الحجب للعقل لكونه آلة في ادراكها، وبالجملة فذاته تعالى وصفاته لم تعلم للبشر ولا لغبرهم كما قال تعالى: {لا تدركه الأبصار} أي لا تدركه على وجه الإحاطة به. (قوله: بعد معرفته ما يجب الخ) وأما قبل تلك المعرفة فلا يتوهم فيه الخوض في الكنه حتى يُنْفَى.
(قوله: وما يوجد في كتب علماء الكلام من التمثيل) أي لكلامه تعالى القديم بالكلام النفسي، والمراد بالتمثيل التشبيه، وحاصله أن المعتزلة يقولون إن الكلام لا يكون إلا حروفا وأصواتا، وحينئذ فلا يتصف به المولى بحيث يكون قائما به لئلا يلزم قيام الحوادث به، ومعنى كونه متكلما أنه خالق للكلام في غيره، ورد عليهم أهل السنة بأن كلامنا النفسي ليس بحرف ولا صوت وهو كلام حقيقة، فليكن كلام الله كذلك أي ليس بحرف ولا صوت، وهو كلام حقيقة فليس مراد أهل السنة بقولهم فليكن كلام الله كذلك أنهما متماثلان في الحيقيقة؛ بل هما متباينان، لأن كلامه تعالى قديم، وكلامنا النفسي حادث مشتمل على التقديم والتأخير، بل مرادهم التشبيه في أن كلًا منهما ليس بحرف ولا صوت وإن تباينا في الحقيقة.
إن قلت هذا احتجاج على المعتزلة بمحل النزاع، لأن المعتزلة ينكرون تسمية ما يجده الإنسان في نفسه كلامًا، ويردون ذلك للإرادة أو للعلم بنظم الصيغة، وأنها خواطر؟ قلت كلامهم هذا ساقط لمخالفته لإطلاق العرب عليه كلامًا، قال الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا
فلما كان دعواهم الرد واضحُ البطلان ومجرد جدال منهم لم يكترث أهل السنة بنزاعهم فنزلوه منزلة العدم. (قوله: وما يوجد) مبتدأٌ
خَبَرُهُ"لا يفهم منه"، وهذا جواب عما يقال كيف تمنعون الخوض في الصفات وتقولون إنه لا يعلم كنهها إلا الله مع أنكم تشبهون كلامه تعالى بكلامنا النفسي؟ فأجاب بأن القصد بالتشبيه المماثلة في الصفة السلبية وهي كونُ كلٍ ليس بحرف ولا صوت، لا في الصفة والحقيقة إذ حقيقتهما متباينة. (قوله: في الشاهد) أي الكائن فيما نشاهده من المخلوقات. (قوله: وكلامنا النفسى) أي والحال أن كلامنا النفسي والمراد به الكلام الذي يجريه الإنسان على قلبه، وليس المراد به القرآن المخزون في الحافظة لأن