فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 238

حادثة يوجد فيها التقديم والتأخير وطرو البعض بعد عدم البعض الذي يتقدمه، ويترتب وينعدم بحسب وجود جميع ذلك في الكلام اللفظي، فمن توهم هذا في كلامه تعالى فليس بينه وبين الحشوية ونحوهم من المبتدعة القائلين بأن كلامه تعالى حروف وأصوات فرق، وإنما مقصد العلماء بذكر الكلام النفسي في الشاهد النقض على المعتزلة في حصرهم الكلام في الحروف والأصوات، فقيل لهم ينتقض حصركم ذلك بكلامنا النفسي فإنه كلام حقيقة وليس بحرف ولا صوت، وإذا صح ذلك فكلام مولانا أيضا كلام ليس بحرف ولا صوت فلم يقع الاشتراك بينهما إلا في هذه الصفة السلبية؛ وهي أن كلام مولانا جل وعز ليس بحرف ولا صوت كما أن كلامنا النفسي ليس بحرف ولا صوت، أما الحقيقة فمباينة للحقيقة كل المباينة، فاعرف هذا فقد زلت هنا أقدام لم تؤيد بنور من الملك العلام، وهنا انتهي في العقيدة ما عَدَّ من صفات المعاني.

وحاصلها أنها تنقسم إلى أربعة أقسام: قسم لا يتعلق بشيء، وهو الحياة، وقسم بتعلق

[حاشية الدسوقي]

هذا لا يتصف بتقديم ولا تأخير. (قوله: حادثة) وصف للأعراض كاشفٌ، والعرض هو الوصف الموجود بعد عدم؛ إن قلنا بنفي الأحوال، وأما على القول بثبوتها فهو الوصف الوجودي أو الثبوتي وعلى كل حال فلا يطلق العرض على الأمر الاعتباري.

(قوله: التقديم والتأخير) أراد به لازمهما وهو التقدم والتأخر، لأن الكلام إنما يوصف بذلك، وعطف التأخير على التقديم من عطف اللازم على الملزوم. (قوله: وطرو البعض) أي بأن تُجْرِيَ على قلبك زيد قائم ثم تجري عليه عمرو جالس، فقد انعدم الأول بطرو الثاني. (قوله: ويترتب) عطف على أعراض، والمراد بترتبه أنه يوجد شيئًا فشيئًا، وينعدم الأول بحصول الثاني، وهذا لازم للتقديم والتأخير. (قوله: بحسب وجود الخ) أي ووجود هذه المذكورات في الكلام النفسي مثل وجودها في الكلام اللفظي. (قوله: فمن توهم ذلك) أي المماثلة بينهما في الكنه. (قوله: الحشْوية) بسكون الشين نسبة للحشو، لأنهم يقولون في القرآن كلامَ حشوٍ لا معنى له، وبفتحها نسبة إلى الحشا وهو الجانب، لقول الحسن البصري حين تكلموا معه وهم في أمام حلقة درسه؛ وَوَجَدَ كلامهم ساقطا مخالفا لما عليه الجماعة ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة أي جانبها. (وقوله: فليس بينه ولين الحشوية فرق) أي من جهة القول إن صفة الكلام حادثة، وإن كان الحشوية يقولون إن الكلام حروف وأصوات، والكلام النفسي المشبه لكلام الله خال عن الحروف والاصوات. (قوله: فقيل لهم الخ) تقدم أن هذا احتجاج على الخصم بمحل النزاع؛ لأن المعتزلة ينكرون أن ما في النفس يسمى كلامًا؛ وردوه للإرادة، وحينئذ فلا يظهر الرد عليهم بالنقض، وإنما يظهر الرد عليهم بإقامة الدليل على ثبوته، لكن العذر لأهل السنة ان دعوى المعتزلة الرد لما ذُكِرَ لما كانت واضحة البطلان لم يكترثوا بنزاعهم، واحتجوا عليهم بما يلزمهم تسليمه وإن لم يسلموه. (قوله: إلا في هذه الصفة السلبية) هذا حصر إضافي أي لا في الكنه، وإنما قلنا إن الحصر إضافي لاشتراكهما أيضا في الاحتياح لمحل يقومان به. (قوله: كل المباينة) أي: مباينة تامة؛ وذلك لن لوازمهما متباينة، فإن من لازم كلام الله أن يكون قديمًا، ومن لازم كلامنا الحدوث، فتباينا، والتباين في اللوازم دليل على التباين في الملزومات، وأشار بهذا إلى أن المباينة مقولة بالتشكيك، فمباينة الحمرة للبياض أضعف من مباينة السواد للبياض.

(قوله: فقد زلت هنا أقدام) أي عقولٌ، فشبه العقول بالأقدام، واستعار الأقدام للعقول استعارة تصريحية، وزلت ترشيح.

(قوله: العلام) أي كثير العلم، وكثرته باعتبار كثرة متعلقاته، وإلا فعلم الله واحد على التحقيق له متعلقات كثيرة، وأما العبد فقيل له علم واحد متعلقاته كثيرة، وقيل إن علمه متعدد بتعدد معلوماته.

(قوله: وهنا انتهي في العقيدة ما عد من صفات المعاني) فائدة الإخبار بهذه الجملة مع علم الواقف على العقيدة بمضمونها التوطئة لتقسيمه صفات المعاني على الوجه الآتي، (وقوله: ما عُدَّ) بالبناء للفاعل أو المفعول. (قوله: وحاصلها) الضمير راجع لأقرب مذكور وهو صفات المعاني، ويحتمل على بُعْدٍ عوده على العقيدة أي محصل ما في العقيدة. (وقوله: أنها) أي المعاني (قوله: تنقسم إلى أربعة أقسام) أي باعتبار التعلق وعدمه، فالذي لا يتعلق الحياة، والذي يتعلق ينقسم باعتبار عموم تعلقه لأقسام الحكم العقلي وعموم تعلقه بالممكنات وعموم تعلقه بالموجودات ثلاثة أقسام. الأول العلم والكلام، والثاني القدرة والإرادة، والثالث السمع والبصر.

(قوله: لا يتعلق بشيء) أي بأمر من الأمور لا موجود ولا معدوم، وفائدة بيان المتعلقات والنسب بينها إيضاح الصفات وبيان تغايرها، لأن اختلاف المتعلقات بوجب تغاير الصفات في الحقيقة. وحاصل ما في المقام أن تقول إن الحياة لا تتعلق بشيء فيبقي من صفات المعاني ستة مضروبة في خمسة وهي الباقية بعد أي واحدة اعتبرت نسبتها من الستة لغيرها. فالحاصل ثلاثون، والنسب أربع، لكن نسبة التباين ساقطة إذ ليس بين شيئين من متعلقات الصفات تباين، يبقى ثلاثة التساوي والعموم والخصوص المطلق والوجهي.

والحاصل من ضَرْبِ ثلاثةٍ في ثلاثين تسعون، وفي بعضها تكرار، والخالي عنه خمسة عشر تضمنها كلام المصنف فلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت