نقيصة الحدوث الملازمة ربقة الافتقار على الدوام.
الثانية: رذيلة البكم الذي هو لازم للحروف والأصوات؛ لأنه لما استحال اجتماع حرفين في آن واحد فضلا عن الكلمتين فضلا عن الكلامين تبكم المتكلم بالحرف والصوت واحتبس عن أن يدل على معلومات له في آن واحد بصفة الكلام المركب من الحروف والأصوات، فلو كان كلام مولانا تعالى بالحروف والأصوات لزم زيادة على رذيلة الحدوث اتصافه سبحانه وتعالى عن ذلك بالحبسة التي هي أصل البكم عن الدلالة على معلوماته التي لا نهاية لها بصفة الكلام، بل يلزم الحبسة عن الدلالة به في آن واحد على معلومين له فاكثر، فقد ظهر لك بهذا أن الكلام الذي يكون بالحروف والأصوات وما في معناه من كلامنا النفسي ملازمان لمعنى البكم، فيستحيل اتصاف مولانا جل وعز بمثلهما، وإن الواصف لمولانا جل وعز بذلك مستندًا إلى أن مثل ذلك في حقنا كمال ينفي عنا رذيلة البكم قد وصفه تعالى بنقيصة عظيمة تعالى عنها علوا كبيرًا، ونظيره في ذلك نظير من عرف بأنَّ نهيق الحمير وأصواتها كمال في حقها وكذا تباح الكلاب كمال في حقها فَيُسْأل عن كلام مَلِكٍ من الملوك لم يسمع قط كلامه؟ فقال هو مثل نهيق الحمير ونباح الكلاب معتقدا أن ذلك الصوت منهما لما كان كمالا يمنع من اتصافهما برذيلة البكم لزم أن اتصاف الملك بمثل هذا كمال في حقه ينفي عنه رذيلة البكم، ومن المعلوم ضرورة أن الواصف للملك بمثل هذا قد استنقصه غاية الاستنقاص، ووصفه بأقبح أنواع البكم بالنسبة إلى نوعه الإنساني، وإن لم يكن بكما بالنسبة إلى نوع الحمير ونوع الكلاب، ولا شك أن كلامنا وإن بلغ الغاية في البلاغة والحسن بالنسبة إلى كلام الله أدنى بما لا حصر له من نهيق الحمير ونباح الكلاب بالنسبة إلى أفصح كلام وأعذبه؛ إذْ الحوادث كلها لا تفاضل بينها لذواتها، بل ما يقوم ببعضها من صفة نقص أو كمال يصح أن يقوم بغيرها من سائر ذوات الحوادث، ومولانا سبحانه الفاعل بمحض اختياره هو الذي فاوت فيما بينها، وخص منها ما شاء بما شاء من صفة نقص أو كمال
[حاشية الدسوقي]
والكلام صفة للذات ملازم لها، ومن المعلوم أنه يلزم من حدوث أحد المتلازمين حدوث الأخر. (قوله: نقيصة الحدوث) الإضافة بيانية. (قوله: ربقة الافتقار) الربقة قطعة حبل تجعل في عنق الدابة، وإضافة ربقة للافتقار من إضافة المشبه به للمشبه، ووجه الشبه اللزوم في كلٍ. (قوله: والثانية رذيلة البكم) وهذه الرذيلة هي المناسبة لما الكلام بصدده. (قوله: لأنه لما استحال الخ) الضمير للحال والشأن. (قوله: واحتبس) عطف تفسير على قوله تبكم. (قوله: أصل البكم) الإضافة بيانية إذ الحبسة هي البكم. (قوله: عن الدلالة) متعلق بالحبسة، وقوله بصفة الكلام متعلق بالدلالة. (قوله: بل يلزم الخ) إضراب انتقالي فيه معنى الأول وزيادة. (قوله: لمعنى البكم) الإضافة بيانية. (قوله: بمثلهما) أي بمثل كلامنا الذي بحرف وصوت، وبمثل كلامنا النفسي. (قوله: وإن الواصف) عطف على قوله إن الكلام الذي يكون بالحروف والأصوات، وقوله بذلك أي بالكلام الذي بحرف وصوت. (قوله: رذيلة البكم) الإضافة بيانية.
وحاصله أنه إذا قيل الكلام بالحروف والأصوات كمالٌ في حقنا لزوال البكم به، فليكن المولى متصفًا به ليكون كمالًا في حقه.
فيقال في رده أنه يلزم على اتصافه بذلك نقيصة الحدوث له تعالى، ويلزم عليه نقيصة عدم دلالته على معلومات في آن واحدٍ، ولا يلزم من كونه كمالًا في حق الحادث كونه كمالًا في حق الله. (قوله: نظيره الخ) حاصله أن من قال إن كون كلام الله بحروف وأصوات كمال في حقه كما إنه كمال في حقنا نظير من قال نهيق الحمير كمالٌ في حقها لأنه ينفي عنها رذيلة البكم فسئل عن صفة كلام ملك عظيم لم يسمع كلامه فقال كلامه كنهيق الحمير فكما أن نهيق الحمير كمال في حقها فليكن كمالًا في حقه فإنه يستحق العقوبة من الملك، لأنه قد استنقصه ووصفه بالبكم بالنسبة للنوع الإنساني، وإن لم يكن البكم حاصلا عند النهيق بالنسبة للحمير.
(قوله: ولا شك أن كلامنا الخ) حاصله أن نباح الكلاب ونهيق الحمير وإن كان كمالا في حقهما لمنعه رذيلة البكم عنهما لكن إذا نسبته لكلام البلغاء تجده نقصًا، وكذلك إذا نسبت الكلام الفصيح لكلام الله القديم تجده نقصا؛ لكن هذا النقص أشد من النقص الحاصل من نسبة نهيق الحمير ونباح الكلاب للكلام البليغ.
(قوله: أدنى بما لا حصر له) أي: أدنى بمراتب لا حصر لها بألف أو ألفين ولا بغير ذلك من العدد. (قوله: إذ الحوادث الخ) علة لقوله أدنى، أي وإنما كان نسبة الكلام البليغ لكلام الله أدنى من نسبة نهيق الحمير ونباح الكلاب لكلام البلغاء لأن الحوادث كلها مستوية بالنظر لذاتها والتفاضل بينها إنما جاء من قيام بعض الصفات ببعضها دون بعض، فالعالم والجاهل مستويان بالنظر لذاتهما والتفاضل بينهما إنما جاء من قيام صفة العلم بأحدهما وقيام الجهل بالآخر، ومن الجائز أن يقوم بالجاهل ما قام بالعالم، فإذا كان الجاهل ناقصا بالنسبة للعالم مع استوائهما بالنظر لذاتهما لزم من ذلك نقصان الحادث عن القديم نقصا لا حد له إذ لا اشتراك بينهما ولا مناسبة.
والحاصل أنه إذا حصل النقص في الحوادث مع الاشتراك فليكن النقص لا حصر له في الحادث مع القديم الذي لا مشاركة بينه وبينه ولا مناسبة.