فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 238

والمراد بالصمم والعمى في هذا الموضع عدم السمع والبصر أصلًا بوجود ما ينافيهما أو غيبة موجود ما من الموجودات عن صفتي السمع والبصر لما سبق من وجوب تعلقهما بكل موجود، والمراد بالبكم عدم الكلام أصلا بوجود آفة تمنع من وجوده وفي معناه السكوت وفي معناه كونه بالحرف والصوت؛ إذا الكلام الذي يكون بالحروف والأصوات ولو بلغ غاية البلاغة والفصاحة وكان كمالا بالنسبة إلى الحوادث الناقصة فهو بالنسبة إلى مقام الألوهية الأعلى نقيصة عظيمة إذ فيه رذيلتان:

إحداهما: رذيلة العدم الذي يجب للحروف والأصوات سابقًا ولاحقًا، ويستلزم حدوث من اتصف به وأي نقيصة أعظم من

[حاشية الدسوقي]

(قوله: والمراد بالصمم والعمى الخ) اعلم أن للصمم حقيقتين: حقيقة عامة وحقيقة خاصة، فحقيقته العامة عدم السمع بسبب وجود آفة تمنعه، وهذا المعنى محال في حق الله، وجائز في حقنا، وحقيقته الخاصة بالله غيبةُ موجودٍ ما من الموجودات عن صفة السمع بحيث لا تتعلق بذلك الموجود، كذا العمى حقيقته العامة عدم البصر بسبب وجود آفة تمنع منه، والخاصة بالله غيبة موجودٍ عن صفة البصر. إذا علمت هذا فقول الشارح والمراد بالصمم والعمى في هذا الموضع أي مقام الاستحالة على الله احترازا من الصمم والعمى في حق الحوادث، فإنهما عبارة عن عدم السمع والبصر بالكلية لوجود آفه فقط. وأما عدم السمع والبصر لغيبة موجود فلا يقال له صمم ولا عمى بالنسبة لهم، والحاصل أن المراد بالصمم والعمى في مقام الاستحالة على الله ما يشملهما بالمعنى العام والخاص بالله تعالى.

(قوله: بوجود ما ينافيهما) يحتمل أن تكون الباء للسببية أي بسبب وجود ما ينافيهما، أي بسبب وجود الآفة وهي الصفة الوجودية المنافية لهما، وهذا لاينافي ما سبق من أن الصمم والعمى وجوديان عند أهل السنة، لأن العدم المقيد يطلق على الوجودي، ويحتمل أنها للتصوير أي عدم السمع والبصر المصور ذلك العدم بوجود الصفة المنافية لهما. (قوله: أو غيبة الخ) هو إما بالرفع عطفا على عدم، أو بالجر عطفا على وجود، وعلى كل من الاحتمالين فقد أشار المصنف إلى أن ضد الصفة ما كان منافيا لها سواء كان منافيا لها من حيث ذاتها أو كان منافيا لها من حيث تعلقها، ولذا عَدَّ العجز عن ممكن ما ضدًا للقدرة، والجهل بمعلوم ما ضدًا للعلم، وغيبة معلوم ما ضدًا للسمع والبصر، وذلك لأجل ما يجب لها من عموم التعلق، إذ لو لم يجب العموم لما حصلت المنافيات كما في الشاهد؛ إذ تتعلق قدرتنا بشيء وتعجز عن آخر، ونفهم شيئا ونجهل آخر، ولذلك قيد ذلك بقوله هنا كما تقدم.

(قوله: عدم الكلام أصلا بوجود آفة تمنع من وجوده) أي بسبب وجود الصفة الوجودية المانعة من وجوده، وهي الخرس أو المصور بوجود آفة تمنع، فالباء إما للسببية أو للتصوير، وعلى كل حال لا يعارض ما تقدم لنا من أن التقابل بين الكلام والبكم من تقابل الضدين عند أهل السنة، أما على الثاني فظاهر، وأما على الأول فلأن العدم المقيد قد يطلقونه على الأمر الوجودي.

واعلم أن عندنا بكما وسكوتا وكل منهما لساني ونفساني، فالسكوت اللساني ترك الكلام مع القدرة عليه، والبكم اللساني ترك الكلام لا مع القدرة عليه بل مع العجز عنه، وأما البكم النفساني فهو ترك الكلام النفسي عجزًا، وأما تركه مع القدرة فسكوت نفساني، أما السكوت اللساني فأمره ظاهر، وأما النفساني فيتأتى فيما إذا كان الشخص نائما أو مستيقظا ولم يُجْرِ على قلبه شيئًا، والبكم اللساني يتأتى فيما إذا قام به آفة تمنعه من النطق، وأما النفساني فيتأتى فيما إذا قام به مرض منعه من إجراء شيء على قلبه.

إذا علمت ذلك فاعلم أن المراد هنا بالبكم البكم النفساني لأنه هو المضاد لكلامه تعالى النفساني الذي هو صفة أزلية قائمة بذاته. (قوله: وفي معناه السكوت) أي وفي معنى البكم النفساني السكوت النفساني. (قوله: وفي معناه كونه بالحرف والصوت) أي وفي معنى البكم كونه بحروف وأصوات، ثم إن كونه بحروف وأصوات لا ينافي الكلام في الشاهد لكنه ينافيه في الغائب، فقوله وفي معناه كونه بالحرف والصوت يحتمل أن المراد بكونه في معناه أنه مثله في منافاة الكلام، وذلك لأن الكلام إذا كان بحروف وأصوات كان حادثا، والحادث لا يقوم إلا بحادث، وكلامه تعالى قديم لا يقوم إلا بقديم، والتنافي في اللوازم يدل على التنافي في الملزومات، ويحتمل أن المراد بكونه في معنى البكم أنه مثله في الاستحالة لا في الضدية أي المنافاة، وكأنه قال كما يستحيل اتصافه تعالى بالبكم يستحيل كون كلامه بحروف وأصوات، والضدية للأول دون الثاني، لكن في هذا خروج عن ما المصنف في صدده من الأضداد.

(قوله: إذ الكلام الخ) الكلام مبتدأ خبره قوله:"هو بالنسبة الخ"، (وقوله: الأعلى) نعت لمقام. (قوله: إذ فيه) أي الكلام الذي بحروف وأصوات. (قوله: ويستلزم) عطف على"يجب"، ووجه الاستلزام أن الكلام الذي بحروف وأصوات يجب له العدم والحدوث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت