فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 238

أو التسلسل.

(ش) يعنى إنه إذا ثبت وجوده تعالى بما سبق من البرهان وهو افتقار الكائنات كلها إليه سبحانه فإنه يجب له سبحانه القدم، وبرهانه أنه لو لم يكن تعالى قديما لكان حادثا لوجوب انحصار كل موجود في القدم والحدوث، فمتى انتفى وجود أحدهما تعين الأخر، والحدوث على مولانا جل وعز مستحيل؛ لأنه يستلزم أن يكون له محدث؛ لما عرفت في حدوث العالم، ثم محدثه لابد أن يكون مثله فيكون حادثًا، فله أيضا محدث، ويلزم أيضا في هذا المحدث ما لزم في الذي قبله من الافتقار إلى محدث آخر، وهكذا فإن انحصر العدد لزم الدور؛ لأن محدث الأول يلزم أن يكون بعض من بعده ممن أحدثه هذا الأول، أو أحدثه من استند وجوده إليه مباشرة أو بواسطة، واستحالة الدور ظاهرة لأنه يلزم عليه تقدم كل واحد من المحدثين على الآخر أو تأخره عنه، وذلك جمع بين متنافيين

[حاشية الدسوقي]

على عمرو الذي توقف على زيد، والدور إما بمرتبتين أي نسبتين، ويقال له دور مصرح كما مثلنا، وذلك لأن كلا منهما متقدم على نفسه بنسبتين ومتأخر عنها بنسبتين، بيان ذلك أن زيدًا باعتبار كونه فاعلا لعمرو متقدم على نفسه باعتبار كونه مفعولا له، وباعتبار كون عمرو فاعلا له متأخر عن نفسه باعتبار كونه فاعلا لعمرو، وكذا يقال في عمرو إنه متقدم على نفسه بنسبتين ومتأخر عنها بنسبتين، وإما بمراتب ويقال له دور مضمر، كما لو أوجد زيد عمرًا وعمرو أوجد بكرًا؛ وبكر أوجد زيدًا، فكل واحد متقدم على نفسه بثلاث مراتب ومتأخر عنها بثلاثٍ، نظير ما مر.

(قوله: أو التسلسل) أي إن كان العدد المفتقر إليه غير منحصر، بأن كان كل محدث قبله محدث لا إلى أولٍ، فالتسلسل ترتب أمور غير متناهية. (قوله: وهو افتقار الخ) أي والبرهان افتقار الخ، واعترض بأن البرهان السابق هو ما تقدم من قولنا العالم حادث وكل حادث لابد له من محدث، وليس البرهان ما ذكره من الافتقار. وأجيب بأن قوله وهو افتقار الخ على حذف مضاف أي وهو مفيد الافتقار، ومفيد الافتقار ما قدمناه وهو العالم حادث الخ.

(قوله: لوجوب انحصار كل موجود) أي لانحصار وصف كل موجود في القدم والحدوث، ولعل الأولى في القدم أو الحدوث بأوْ لا بالواو، وذلك لأن الموجودات منحصرة في القدم والحدوث، وأما كل موجود فإنما ينحصر في أحدهما، والتقابل بين القدم والحدوث تقابل التضاد لأنهما لا يجتمعان ولا يرتفعان، وقيل لأنهما يرتفعان في عدمنا السابق فيما لا يزال إذ لا يقال فيه قديم لإمكان وجودنا فيه، ولا حادث لأن الحدوث هو الوجود بعد عدم، وعلى هذا فكونهما ضدين بالمعنى اللغوي لا الاصطلاحي؛ إذ لا يصدق عليهما. اهـ يس.

(قوله: لما عرفت في حدوث العالم) أي من أن الحادث إن لم يكن له محدث بل حدث بنفسه لزم اجتماع الضدين المساواة والرججان. (قوله: فإن انحصر العدد) أي المفتقر إليه. (قوله: لأن محدث الأول) يعنى الذي دار منه الأمر، وطلبت مخلوقيته ممن بعده بفراغ العدد فوقه، ويتضح ما ذكره في أربعة كما لو كان زيدٌ خلق عمرًا؛ وعمرو خلق بكرًا؛ وبكر خلق خالدًا، فإذا فرضنا حدوث الأول وانحصار الألوهية في هؤلاء الأربعة على هذا الفرض لزم أن يكون محدث الأول وهو زيد بعض الثلاثة الذين بعده، وهم عمرو وبكر وخالد، أي إنه لابد أن يكون محدثه واحدًا منهم، إما عمرو الذي أحدثه الأول مباشرة، وإما بكر الذي أحدثه عمرو المستند وجوده أي عمرو إلى الأول وهو زيد مباشرة، وإما خالد الذي أحدثه بكر المستند وجوده إلى زيد بواسطة عمرو فهذا مثل أن تقول والد الأب ولده، أو ولد ولده، أو ولدُ ولدِ ولده، فقوله ممن أحدثه هذا الأول بيان لما وقعت عليه"من"في قوله:"من بعده"، والضمير في قوله ممن أحدثه يعود على مَنْ المجرورة بِمِنْ الجارة، وكأنه قال من عمرو الذي أحدثه الأول، وقوله أو أحدثه من استند وجوده إليه عطف على أحدثه الأول، والتقدير بعض من بعده، من الذي أحدثه الأول، أو من الذي أحدثه من استند وجوده إليه، وكأنه قال أو بكر الذي أحدثه عمرو الذي استند في وجوده للأول وهو زيد مباشرة أو خالد الذي أحدثه بكر الذي استند في وجوده للأول وهو زيد بواسطة عمرو.

(قوله: لأنه يلزم عليه تقدم كل واحدٍ من المحدثين) هو بصيغة التثنية، وحاصله أنه لو خلق زيد عمرًا، وخلق عمرو زيدًا؛ فمقتضي كون زيد خالقا لعمرو أن يكون متقدما عليه، ومقتضي كونه مخلوقا له أن يكون متأخرًا عنه، فلزم الجمع بين كونه متقدما على عمرو متأخرا عنه وهو محال لأنه جمع بين متنافيين.

إن قلت: شرط التناقض اتحاد النسبة الحكمية وهو غير موجود هنا؛ لأن كل واحد من المحدثين إنما وجب له التقدم باعتبار أنه مؤثر والتأخر باعتبار أنه أثر وهما اعتباران أوجبا عدم الاتحاد كما في قولهم الثلاثة زوج باعتبار اثنين منها، وليست زوجا باعتبار مجموعها، قلت المحكوم عليه بالنفي والإثبات أي التقدم والتأخر واحد وهو كل واحد من المحدثين لا تعدد فيه، والتعدد إنما وقع في موجبي النفي والإثبات وهما التأثر والتأثير، ولا يلزم من تكثر وجود الذات تكثرها حتى يندفع التناقض، فالحكم بالتناقض نظرا لكون المحكوم عليه بالنفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت