فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 238

{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقال: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158] ، وقال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ} [الأعراف: 156، 157] ، إلى غير ذلك مما يطول تتبعه، وقد علم من دين الصحابة ضرورة اتباعه عليه السلام من غير توقف على نظرٍ أصلا في جميع أقواله وأفعاله إلا ما قام له دليل على اختصاصه به، فقد خلعوا نعالهم لما خلع عليه الصلاة والسلام نعله، ونزعوا خواتمهم لما نزع عليه السلام خاتمه، وحسر أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما عن ركبتيهما في قصة جلوسهم على البئر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وكاد يقتل بعضهم بعضًا من شدة الازدحام على الحلاق عندما رأوه صلى الله عليه وسلم يحلق راسه وحل من عمرته في قصة الحديبية، وكانوا يبحثون البحث العظيم عن هيئة جلوسه ونومه وكيفية أكله وغير ذلك ليقتدوا به، وقال لهم عليه الصلاة والسلام لما أردوا التبتل والانقطاع للعبادة ليلًا ونهارًا أما أنا فآكل وأنام وأتزوج النساء أو كلاما يقرب من هذا، فمن رغب عن سنتي فليس مني، أما

[حاشية الدسوقي]

أنها من خصائصه، وليس للمكلف أن يتوقف لاحتمال الاختصاص، لأن الأصل عدمه، وهذا مبنى على أحد القولين عند الأصوليين في التمسك بالعام بعد وفاته صلى الله عليه وسلم قبل البحث عن المخصص، وقيل لا يتمسك به لاحتمال التخصيص، أي ومن جملة التخصيص تخصيص ذلك به صلى الله عليه وسلم.

(قوله: إن كنتم تحبون الله الخ) قيل إن الخطاب لجميع الأمة، وقيل لجماعة مخصوصين كما قال بعضهم إنها نزلت في كعب بن الأشرف وجماعة من اليهود، قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن أشد حبا لله، فأنزل الله الآية، فإن كان الخطاب على العموم فالحجة بهذه الآية طاهرة، وإن كان على الخصوص فالاحتجاج بها من جهة أن غير المخاطب يدخل بالمعنى، لأن محبة الله توجب اتباع نبيه، وكذا الحكم في كل خطاب لأول الأمة.

(قوله: الأمي) أي الذي لا يكتب ولا يقرأ، وهذا وصف مدح في حق النبي صلى الله عليه وسلم، ووصف خسيس في حق غيره، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان يكتب ويقرأ لتوهم أن علمه حصل له من المطالعة في كتب المتقدمين. (قوله: وقد علم من دين الصحابة) أي من عادتهم، وليس المراد بالدين الأحكام الشرعية، والدين له اطلاقات كثيرة. (قوله: من غير توقف) يعنى غالبا وما لم تبهتهم ضرورة الحال، وإلا فقد أمرهم في عمرة الحديبية بالنحر والحق ثلاث مرات، فوالله ما قام منهم أحد، فدخل على أم سلمة رضي الله عنها فذكر لها ما لقي من الناس فقالت ان أحببت ذلك فاخرج ولا تكلم أحدًا وانحر واحلق فخرج فنحر بيده ودعا الحالق فلما رأو ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق لبعض اهـ. من البخاري، وكذا في غزوة الفتح أمرهم بالفطر في رمضان فلما استمروا على الامتناع تناول القدح فشرب فشربوا، وسبب تأخرهم حملهم الأمر على الندب أو أنه بهتتهم ضرورة الحال، فاستغرقوا في الفكرة. (قوله: في جميع أقواله وأفعاله) أي التشريعية لا مطلقا، وإلا لشمل الجبلي. (قوله: فقد خلعوا نعالهم) أي في الصلاة لما خلع صلى الله عليه وسلم نعله أي فيها، ولما فرغ من الصلاة قال لهم: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا له لما رأيناك خلعتهما خلعناهما، فقال عليه الصلاة والسلام: أتاني جبريل فقال لي: اخلع نعليك فإن فيهما نجاسة. قيل إنه كان دم قراد، واحتج بهذا الحديث من قال إن العلم بالنجاسة في الصلاة لا يبطلها بل ينزعها فقط. (قوله: ونزعوا خواتمهم الخ) في البخاري كان له صلى الله عليه وسلم خاتم من ذهب فنبذه وقال لا ألبسه أبدا فنبذ الناس خواتمهم، فلبس الذهب كان أوْلًا غير حرام على الذكور ثم حرم، وفيه أيضا عن أنس أنه كان من وَرِق، وعليه ينظر هل هو نسخ للإباحة، أو إنما هو قضية وقتية. (قوله: وحسر) أي كشف، وقوله أبو بكر وعمر أي وكذلك عثمان فإنه حسر عن رجليه أيضًا في هذه القصة، ودلوا كلهم أرجلهم في البئر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. (قوله: في قصة جلوسهم على البئر) هي بئر أريس بفتح الهمزة وكسر الراء المهملة وآخره سين مهملة، بوزن أمير، بئر بالمدينة وقيل: إن أريس بستان بالمدينة فبئر أريس على هذا بئر هذا البستان المسمى بأريس، وهذه البئر هي التي سقط فيها خاتم النبي - صلى الله عليه وسلم من يد عثمان فلم يوجد. (قوله: كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم) أي فإنه كشف عن رجليه لركبتيه إشارة إلى أن هذا ليس بعورة، وتبعه أصحابه الثلاثة ففعلوا مثله بحضرته كما هو الأدب. (قوله: على الحِلَاق) بكسر الحاء وفتح اللام مخففة مصدر لا بفتح الحاء وتشديد اللام لأنه يوهم أن الحلاق كان واحدا وازدحموا عليه فليس في الحديث ما يدل على ذلك، بل على خلافه كما مر. (قوله: الحديبية) بالتخفيف والتشديد قرية بينها وبين مكة مرحلة سميت باسم بئر كانت بها تسمى بالحديبية، وهي من الحرم، نزل عليها صلى الله عليه وسلم حين صده المشركون عن البيت الحرام، وكان محرما بعمرة، وصالحهم على أن يعتمر من العام القابل، وأمر النبي أصحابه أن يتحللوا بالحلاق والنحر، فأبوا ثلاث مرات إلى آخر ما مر. (قوله: والانقطاع للعبادة) عطفه على التبتل عطف تفسير. (قوله: أو كلاما يقرب من هذا) عطف على قوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت