فانظر كيف ردهم بفعله الذي لا معدل عن الاقتداء به عما قصدوه، مع أنه يظهر قبل التأمل أن ما قصدوه هو من أكبر الطاعات وجهاد النفس، وقد ثبت أن ابن عمر رضي الله عنهما لما سأله السائل عن صبغه بالصفرة ولبسه النعال السبتية وكونه لا يُحرم إذا أهل هلال الحجة، وإنما يحرم في يوم التروية، وكونه إنما يلمس الركنين اليمانيين فأجابه بأنه استند في ذلك كله لفعله صلى الله عليه وسلم، وقد أدار رضي الله تعالى عنه راحلته في موضع واعتل لذلك بأنه كذلك رأى النبي صلى الله عليه وسلم فعل، وانظر قول عمر رضي الله عنه للحجر الأسواد لقد علمتُ أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك، وقد ثبت عن بعض السلف
[حاشية الدسوقي]
أما أنا الخ باعتبار محله، أي قال هذا أو قال كلاما يقرب من هذا، وإنما قال الشارح ذلك لعدم جزمه بما قاله عليه الصلاة والسلام لهم، والذي في البخاري عن أنس جاء ثلاثة رجال إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأنهم تقالوها فقالوا أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم أما أنا فأصلى الليل، وقال آخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذي قلتم كذا وكذا أما والله إنى لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكن أصوم وأفطر وأصلى وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتى فليس مني. (قوله: فانظر كيف ردهم بفعله) اعترض بأنه ردهم بفعله وقوله، ففي قصة الحديبية ردهم بفعله كما تقدم لتماديهم على عدم التحلل بعد أمرهم به، وفي قصة الجماعة الذين أرادوا التبتل ردهم بفعله وقوله معًا لقوله فمن رغب عن سنتي فليس مني، فإن هذا قول، وقوله أنا أفعل كذا الخ هذا وإن كان قولا لكن مضمونه المردود به فعلٌ، فتأمل. (قوله: لا معدل) أي لا عدول. (قوله: عما قصدوه) متعلق بردهم. (قوله: مع أنه) أي ما قصدوه من التبتل والانقطاع للعبادة. قوله: (قبل التأمل) إنما قيد بذلك لأنه بعد التأمل ليس كذلك، لأنه لا رهبانية في الإسلام، ولأنه عرضة للقطع، وأحب العمل أدومه وإن قل، ولأن ذلك ربما كان ذريعة لتضييع حق الغير كالزوجة والأولاد. (قوله: لما سأله السائل) أي وهو ابن جريج، وقال له رأيتك تصنع أربعًا لم أجد أحدًا من أصحابك يصنعها، قال ما هي يا ابن جريج؟ قال رأيتك لا تلمس من الأركان إلا اليمانيين، ورأيتك تلبس النعال السبتية، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا هلال الحجة ولم تهل أنت حتى إذا كان يوم التروية أهللت، فقال ابن عمر: أما الأركان فاني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يلمس إلا اليمانيين، وأما النعال السبتية فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس النعال التي لا شعر فيها فأحببت أن ألبسها، وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ بها، وأما الإهلال فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يهل حتى تنبعث به راحلته اهـ، وإطلاق اليمانيين تغليب والمراد ركن الحجر الأسود، والركن اليماني الذي قبله، والمراد بالصبغ صبغ الثوب كما في السكتاني. وقال الشيخ يس يحتمل صبغ ثوبه ويحتمل صبغ لحيته، قاله المنجور، ونحوه لبعض شراح الحديث. وفي شرح البردة لابن مرزوق: وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم صبغ لحيته الكريمة بالحناء والكتم، والنعال السبتية بكسر السين التي لا شعر فيها، سميت بذلك لسبت الشعر أي حلقه، فسبتية بمعنى مسبوتة، والمراد بالإهلال التلبية عند الاحرام، ويوم التروية هو ثامن الحجة لتروي إبراهيم في ذبح ولده يومها، ثم عمل بمقتضى أمر ربه يوم النحر، وقيل إنما سمي اليوم الثامن بيوم التروية لأنهم كانوا في الجاهلية يحملون فيه الماء لمنى لعدم الماء فيها إذ ذاك. (قوله: أدار راحلته في موضع) أي وهو المحل الذي يذهب منه لقبور الشهداء، فقد روى ابن عبد البر بإسناده إلى نافع رأيت ابن عمر إذا ذهب إلى قبور الشهداء وهو على ناقته ردها هكذا وهكذا، فقيل له في ذلك فقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع على ناقته فعل كذا، وهذا غاية التأسي والاقتداء. (قوله: واعتل) أي استدل لذلك. (قوله: وانظر قول عمر) أي تأمل فيه، فإنه يدل على شدة الاتباع. (قوله: لا تضر ولا تنفع) انظر كيف يصح هذا القول من عمر مع ما ورد في صحيح ابن خزيمة عن ابن عباس مرفوعا أن لهذا الحجر لسانا وشفتين يشهد لمن استلمه يوم القيامة، إلا أن يقال أن هذا الحديث لم يبلغ عمر، أو بلغه والمعنى لا تضر ولا تنفع بذاتك بل بإذن الله، لأنه هو الضار النافع حقيقة، وإنما قال عمر ذلك لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر أن يظن الجهلة منهم أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعله في