فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 238

وأظنه الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه كان لا يأكل البطيخ، فقيل له في ذلك، فقال منعني من أكله أنه لم يثبت عندي كيف أكله النبي صلى الله عليه وسلم، وبالجملة فالاتباع له صلى الله عليه وسلم في جميع أفعاله وأقواله إلا ما اختص به، ورؤية الكمال فيها جملة وتفصيلا بلا تردد ولا توقف أصلا مما علم من دين السلف ضرورةً، ولا شك أن هذا دليل قطعي إجماعي على عصمة صلى الله عليه وسلم، وفي معناه عصمة سائر الرسل عليهم الصلاة والسلام من جميع المعاصي والمكروهات، وأنَّ أفعالهم عليهم السلام دائرة بين الواجب والمندوب والمباح، وهذا بحسب النظر إلى الفعل من حيثُ ذاتُه، وأما لو نظر اليه بحسب عوارضه فالحق أن أفعالهم دائرة بين الوجوب والندب لا غير، لأن المباح لا يقع منهم عليهم الصلاة والسلام بمقتضى الشهوة ونحوها كما يقع من غيرهم، بل لا يقع منهم إلا مصاحبا لنية يصير بها قربةً، وأقل ذلك أن يقصدوا به التشريع للغير، وذلك من باب التعليم وناهيك بمنزلة قربة التعليم وعظيم فضلها، وإذا كان أدنى الأولياء لله يصل إلى رتبة تصير معها مباحاته كلها طاعات بحسن النية في تناولها فما بالك بخيرة الله تعالى من خلقه وهم أنبياؤه ورسله عليهم الصلاة والسلام، لاسيما

[حاشية الدسوقي]

الجاهلية، فقال عمر ذلك ليعلم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا لأن الحجر يضر وينفع بذاته كما كانت الجاهلية تعتقده في الأوثان. (قوله: وأظنه الإمام أحمد بن حنبل) ذكر ابن النجار الحنبلي في منتهى الإرادات أن من امتنع من أكل الطيبات بلا سبب فهو مبتدع، وما نقل عن الإمام أحمد أنه امتنع من أكل البطيخ لعدم علمه بكيفية أكل النبي صلى الله عليه وسلم له فكذب اهـ، نعم في المواهب كان محمد بن أسلم لا يأكل البطيخ لعدم علمه كيفية أكل النبي صلى الله عليه وسلم.

(قوله: البطيخ) هو بكسر الباء. (قوله: فقيل له في ذلك) أي فقيل له ما السبب في ذلك أي في عدم أكلك له. (قوله: كيف أكله) أي لم يثبت عندي جواب هذا الاستفهام وهو أنه أكله بقشره أو بغير قشره، وهل تناوله قطعا أو نحتا بالأسنان، ولكن ذكر بعضهم كما في الشيخ يس أنه ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يشقق البطيخ بقشره، ويأخذ الشقة يأكل منها من ناحية اليمين، حتى يصل لنصفها فيديرها بأن يجعل ما كان منها جهة اليسار جهة اليمين ويأكل منها إلى أن يصل للموضع الذي وصل إليه، ويرمي القشر ولا يأكله. (قوله: وبالجملة) أي وأقول قولا ملتبسا بالجملة أي بالإجمال، أي أقول قولا مجملا، وقوله فالابتداء مبتدأ، وقوله ورؤية الكمال عطف عليه، والمراد بالرؤية الاعتقاد، فهي رؤية قلبية، وقوله مما علم من دين السلف خبره. (قوله: ورؤية الكمال فيها) أي في أقواله وأفعاله، وفي نسخة ورؤية الكمال فيه أي في المصطفى أي في أقوله وأفعاله. (قوله: مما علم ضرورة) أي بالضرورة أي البداهة أو مما علم حالة كون ذلك العلم ضروريًا لا يتوقف على نظر واستدلال، لحصوله بالتواتر عنهم، وقوله من دين السلف أي من عادتهم. (قوله: ولا شك أن هذا) أي اتباع السلف له في جميع أقواله وأفعاله مع اعتقادهم أنها في غاية الكمال. (قوله: وفي معناه) أي وفي معنى عصمته صلى الله عليه وسلم عصمة الخ. (قوله: من جميع المعاصي) قد تنازعه كل من عصمته صلى الله عليه وسلم وعصمة سائر الرسل. (قوله: والمكروهات) أي من حيث إنها مكروهات أما من حيث التشريع كأن يبين أنها ليست بحرام ففعله لها إما واجب أو مندوب، والأظهر الوجوب. (قوله: أن أفعالهم) أي ولا شك أن أفعالهم فهو عطف على قوله أن هذا دليل قطعي. (قوله: وهذا) أي دوران فعلهم بين الأمور الثلاثة التي من جملتها المباح. (قوله: من حيث ذاته) أي بقطع النظر عن العوارض التي تعرض للفعل (قوله: لا غير) الحق أن دخول لا على غير جائز خلافا لمن قال إن غير لا تنفى إلا بليس، ويدل للجواز قول الشاعر:

جوابا به تنجو اعتمد فَوَرَبّنا * لعن عمل أسلفت لا غير تسأل

(قوله: ونحوها) أي نحو الشهوة كالعادة. (قوله: وأقل ذلك) أي أقل ما ذكر من النية التي يصير بها قربة أن يقصدوا الخ، أي وأكثر من ذلك أن يقصدوا إقامة البنية أو كف النفس عن الزنا مثلًا لأنه يصير المباح حينئذ واجبًا. (قوله: وناهيك بمنزلة قربة التعليم) ناهيك يستعمل اسم فاعل بمعنى كافيك، ومصدرا بمعنى حسبك كما في الصحاح وهو المراد هنا، أي ويكفيك مرتبةً قربةُ التعليمِ فلا تطلب غيرها. (قوله: بحسن النية) أي بسبب النية الحسنة في تناولها، وذلك بأن يقصد بها إقامة البنية أو الكف عن الزنا، وضمير تناولها للمباحات. (قوله: فما بالك بخيرة الله من خلقه) ما اسم استفهام مبتدأ أو خبر مقدم، وبال خبر أو مبتدأ مؤخر والبال هنا بمعنى الظن لا القلب ولا الحال، والباء في قوله بخيرة متعلقة به، لأنه بهذا المعنى مصدر، والاستفهام هنا تقريري، أي أُقر وأعترف بأن خيرة خلق الله أولى بذلك من الأولياء. (قوله: لاسيما أفضل الخلق) لا نافية للجنس وخبرها محذوف وسي بمعنى مثل اسمها وما موصولة، حذف صدر صلتها وهو المبتدأ، وأفضل خبره أي لا مثل الذي هو أفضل الخلق موجود، وحينئذ فهو أولى من غيره في الوصول إلى المرتبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت