فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 238

أفضل الخلق وأشرف العالمين جملة وتفصيلًا بإجماع من يعتد باجماعه سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، ولأجل انحصار أفعالهم في الواجب والمندوب على هذا الذي ذكرناه اقتصرنا في أصل العقيدة على ما يقتضي الاختصاص بهما وهو الطاعة، وزدنا التقييد بقولنا في حقهم إشارة إلى أن بعض أفعالهم وإن كان يطلق عليها الإباحة بالنظر إلى الفعل في نفسه وبالنظر إلى مطلق وجوده من عامة المؤمنين فهو في حقهم عليهم الصلاة والسلام لكمال معرفتهم بالله تعالى وسلامتهم من دواعي النفس والهوى وأمنهم من طوارق الفترات والملل يقظة ونومًا وتأييدهم بعصمة الله تعالى في كل حال لا يقع منهم إلا طاعة يثابون عليها صلى الله وسلم على نبينا وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسلين، ولتكن أيها المؤمن على حذر عظيم ووجل شديد على إيمانك أن يسلب منك بان تصغي بأذنك أو عقلك إلى خرائف ينقلها كذبة المؤرخين وتبعهم في بعضها بعض جهلة المفسرين،

[حاشية الدسوقي]

التي تصير معها مباحاته طاعات. (قوله: أفضل الخلق) أي وأما نهيه عن تفضيله عن يونس وغيره فللتواضع، أو كان ذلك قبل أن يعلمه الله به، أو المراد لا تفضلوني تفضيلا يؤدي إلى تنقيص المفضول. (قوله: جملة وتفصيلا) أراد بالجملة أنه صلى الله عليه وسلم بمفرده أفضل من جملة من سواه مع اجتماعهم، وحاصله أنك إذا قابلت بين النبي وبين هيئة المخلوقات الاجتماعية أو قابلت بينه وبين كل واحد من المخلوقات تجد النبي أفضل في الحالتين. (قوله: من يعتد بإجماعه) أي خلافا لما قاله الزمخشري في قوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [الحاقة: 40] ، فيؤخذ من هذه الآية أن جبريل أفضل من سيدنا محمد لأنه وصف بصفات أقوى مما وصف به صلى الله عليه وسلم حيث وُصِفَ جبريل بقوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) } [التكوير: 19 - 21] ، ووصف صلى لله عليه وسلم بسلب الجنون بقوله: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} [التكوير: 22] وهذه جراءة عظيمة من الزمخشري وهوس منه، إذ النبي صلى الله عليه وسلم موصوف بصفات كثيرة غير مذكورة في هذه الآية لم ينلها جبريل ولا غيره، فلو لم يتصف إلا بما قال لربما توهم، لكنه متصف بأوصاف كثيرة لم ينلها جبريل عليه السلام، كيف وقد كان خادما له ليلة الإسراء وارتقى معه لسدرة المنتهى ووقف، وقال هذا غاية ما أصل إليه {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} [الصافات: 164] وتركه عليه الصلاة والسلام هناك وصعد فوق ذلك لمحل سمع فيه صريف الأقلام، وخرقت له الحجب، ورأى ربه بعيني رأسه، وخاطبه المولى بكلامه القديم وجبريل لم يصل لهذه المرتبة لا هو ولا غيره، فشتان ما بين المقامين وإن كان جبريل أكبر رؤساء الملائكة المقربين إلا أنه لم يصل لمرتبة النبي صلى الله عليه وسلم، وأشار بقوله ممن يعتد بإجماعه إلى التعريض بالزمخشري وأمثاله، وأنهم ليسوا ممن يعتد بخلافهم في هذه المسألة التي هي في غاية الظهور، فلا ينافي دعوى الإجماع عليها وحكى البلقيني والعراقي الإجماع. (قوله: لكمال معرفتهم بالله) علة مقدمة على المعلول وهو قوله لا يقع منهم الخ، أي فهو في حقهم لا يقع منهم إلا طاعة لكمال معرفتهم بالله. (قوله: من دواعي النفس) أي من الأمور التي تدعوها النفس وتطلبها كالرئاسة والأموال والجاه والخادم. (قوله: من طوارق الفترات) بالفاء والتاء جمع فترة بمعنى الكسل، والملل هو السآمة، وهي ناشئة عن الكسل، وإضافة طوارق للفترات بيانية أي وآمنهم مما شأنه أن يطرق الناس أي يأتيهم من الكسل والسآمة. (قوله: وتأييدهم) أي تقويتهم وهو عطف على كمال. (قوله: ووجل) أي خوف وهو مرادف للحذر كما أن شديد وعظيم بمعنى، وقوله على إيمانك متعلق بوجل، وقوله أن يسلب بدل اشتمال من إيمانك. (قوله: إلى خرائف الخ) جمع خراف وذلك كالذي ينقلونه من عصيان آدم وما وقع لداود من أنه حسد أوريا وزيره على زوجته، ومن ذلك ما نقله في الشفاء عن الكلبي قال وليس ثقة أن النبي صلى الله عليه وسلم تمنى أن ينزل عليه ما يقارب بينه وبين قومه فأنزل الله عليه: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) } [النجم: 19، 20] تلك الغرانيق العلى، وأن شفاعتهن لترتجى، فلما ختم السورة سجد وسجد معه المسلمون والمشركون لما سمعوه أثنى على آلهتهم، والجن والإنس إلا رجلا أخذ كفا من تراب وجعله على جبهته وقال هذا يكفيني وهذا كذب، وكذا ما قيل إنه لما قرأ في الحرم بحضرة المسلمين والمشركين: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) } [النجم: 19، 20] ، ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، وإنما قلنا إنه كذب لرده بالبرهان القطعي على العصمة، ولا يُعارض القطعي بالظني لو سلم ثقة الناقل كيف وصاحب الشفاء مع تبحره لم يُثبت منه شيئًا، ولقد صدق المصنف في أنه يخاف على من صدق هذه المقالة سلب الإيمان، لأنه لا مندوحة لمن صدق هذه المقالة عن تسليم وقوع الأنبياء في المعاصي، خصوصا سيدنا محمدا فإن تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح لآلهةٍ غير الله كفر، وإلقاء الشيطان ذلك على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت