بجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات (ش) العلم هو صفةٌ
[حاشية الدسوقي]
بعدمه في ذلك اليوم بدلًا عن وجوده؛ بمعنى أنه لو فرض تعلق علمه تعالى به وأنه لم يتعلق بوجوده لم يلزم على ذلك محال.
وذكر بعضهم أن للعلم تعلقين: تنجيزي قديم وهو تعلقه بالواجب والمستحيل، وتنجيزي حادث وهو تعلقه بالممكنات عند وجوداتها، ألا ترى أن علم الله بأن زيدًا دخل الدار بعد أن كان لم يدخلها متجدد بعد علمه أنه لم يدخلها؛ وفيه نظر، لاستلزامه نسبة الجهل إليه تعالى في الأزل، وذلك لأنه إذا تأخر الانكشاف ثبت عدم الانكشاف قبل حصوله، وهو جهل. فالحق أنه تعالى يعلم أزلا ما كان وما يكون على الوجه الذي عليه يكون، ولم يتجدد له تعالى انكشاف زائدٌ على ما ثبت له في الأزل من الانكشاف، وأن علمه بأن زيدا دخل الدار بعد أن كان لم يدخلها ليس متجددًا والتجدد إنما هو في المعلوم لا في العلم.
والحاصل أن العلم واحدٌ، وليس له إلا وجه واحدٌ، والتعبير بيكون أو كان إنما هو باعتبار المعلوم لا باعتبار العلم وتعلقه، فإنه واحد، فالمعلوم قبل كونه يعبر عنه بأنه سيكون وبعد كونه يعبر عنه بأنه كان لاستقباله في الأول وحصوله في الثاني، مثلا إذا كنا في الأحد فعلمنا بالجمعة الآتية محقق فهي قبل وقوعها يعبر عنها بأنها ستكون، وبعده يعبر عنها بأنها كانت، فالاختلاف في الجمعة لا في علمنا له، إذا علمت هذا فقول المصنف المتعلق أي أزلًا تعلقًا تنجيزيًا.
(قوله: بجميع الواجبات) دخل فيه العلم نفسه فيعلم بعلمه علمه كما يعلم به ذاته وسائر صفاته، والحاصل أن صفة العلم تتعلق بنفسها وبغيرها، إذ كل صفة تتعلق وليست من صفات التأثير لا يستحيل تعلقها بنفسها وبغيرها، ولو حذف المصنف لفظ جميع كان أولى؛ لأنها توهم حصر ما وجد من المعلومات مع أن علم الله عام التعلق بما وجد وبما لم يوجد. (قوله: الواجبات والجائزات والمستحيلات) نعوت لمحذوف أي بجميع الأمور الواجبات الخ، وإنما لم يقدر ذلك المحذوف الأحكام ويكون إشارة إلى تعلقه بجميع أقسام الحكم العقلي لأن العلم لا يختص تعلقه بالأحكام بل كما يتعلق بها يتعلق بالمحكوم به والمحكوم عليه والنسبة.
واعلم أن علمه بالأحكام مشابه لعلم الحوادث التصديقي، وعلمه بالمفردات مشابه لعلمهم التصوري، وليس علمه تعالى تصوريا ولا تصديقيا لتوقفهما على حصول ما لم يكن حاصلًا، وهذا محال في حقه تعالى بل علمه تعالى حضوري، (وقوله: المتعلق بجميع الواجبات) أي كذاته وصفاته. (وقوله: والجائزات) أي كذوات المخلوقات وصفاتها وأفعالها وبعثة الرسل. (وقوله: والمستحيلات) أي كالشريك والولد، فَيَعْلَمُ أنه لا شريك له ولا ولد ولا صاحبة، ولا يعلم ثبوت ذلك وإلا انقلب العلم جهلًا، لأن اعتقاد ثبوت المحال جهل، وليس في قولنا إنه لا يعلم ثبوت ذلك نفي للعلم من أصله حتى يلزم منه محال، ولا تقصير للعلم بإخراج بعض متعلقاته حتى يكون محالًا أيضًا؛ بل هو نفي لتسمية الجهل علمًا؛ لأن العلم ينكشف به الأمر على ما هو عليه، فهو تابع للعلوم فلا يدخل فيه شيء مما ليس بحق بأن يصيره حقا لأن كون غير الحق حقا هو عين الجهل، ولا يخرج عنه شيء بوجه الصواب والحق؛ وإلا كان قصورا في العلم بإخراج بعض متعلقاته فيلزم الجهل.
والحاصل: أن العلم بتعلق بكل أمر على الوجه اللائق، ونفي تعلقه بالوجه غير اللائق تنزيه له لا تنقيص، وكمال لا محال، وإذا علمت أن العلم يتبع المعلوم تعلم أن المولى يعلم الشيء على ما هو عليه، فيعلم الحق أنه حق، ويعلم الباطل أنه باطل، ويعلم الواجب أنه لا ينتفي، والمستحيل أنه لا يثبت، والممكن أنه ممكن، وجميع ما يتطرق إليه من أوجه الجواز، ويعلم أن الواقع منها الشيء الفلاني، وأن غيره لم يقع، ويعلم أنه متصف بالعشرين صفة وبكمالات لا نهاية لها، ويعلم أنه ليس متصفا بأضدادها، وأنه لا زوجة له ولا ولد، ولا يعلم أنه متصف بأضدادها ولا يعلم ثبوت الزوجة والولد؛ وما ماثل ذلك من المستحيلات لما تقدم.
(قوله: العلم هو صفة الخ) اعلم أن الناس اختلفوا في العلم هل يُحَدُّ أوْ لا، فقال بعضهم إنه لا يحد لظهوره؛ لأنه كاشف لغيره فهو غني عن أن يُظهره غيره، وقال بعضهم إنه لا يحد لعسره لأنه لم يُحَد بحدٍّ إلا نوزع فيه، والقائلون إنه يحد لهم فيه تعاريف كثير وأكثرها مدخولٌ، قال ابن الحاجب أصح الحدود فيه أنه صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض، وهو الذي نقل عن ابن