فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 238

ينكشف بها

[حاشية الدسوقي]

زكري، ويقرب منه تعريف المصنف، وقوله صفة جنس في التعريف شامل لجميع الصفات، وقوله: ينكشف بها ما تتعلق به مخرج للصفات المتعلقة التي لا تقتضي الانكشاف كالقدرة والإرادة لأنهما صفتا تأثير كما مر، وللصفات التي لا تتعلق كالحياة وكالبياض والسواد والشجاعة ونحوها، والمراد بالانكشاف ما هو أعم من التام فلذا أتى بقوله انكشافا لا يحتمل النقيض لأجل إخراج الظن والشك والوهم والاعتقاد الجازم سواء كان مطابقًا أو غير مطابقٍ، لأن متعلقاتها تحتمل النقيض، وقوله لا يحتمل أي لا يحتمل ما تعلقت به مع ذلك الانكشاف النقيض بوجهٍ لتمامه، وقوله بوجه من الوجوه أي لا بحسب الذهن ولا بحسب الخارج ولا لأجل تشكيك مشكك، وأشار بهذا إلى أن العلم تلزمه أمور ثلاثة: الجزم والمطابقة والثبات، فالعالم بالشيء جازم به وثابت عليه ومطابق معلومه للواقع، فلا يحتمل معلومه النقيض بحسب الذهن لأجل الجزم ولا بحسب الخارج لأجل مطابقته للواقع ولا تشكيك مشكك لأجل الثبات، وقوله لا يحتمل النقيض أي عند العالم؛ أما عند غيره فلا، إذْ كثيرًا ما يعلم الإنسان شيئًا ويتردد فيه غيره أو ينفيه. (قوله: ينكشف الخ) المراد بالانكشاف التمييز والاتضاح، لا يقال إن التعبير بينكشف يوهم حدوث الانكشاف؛ لأن الفعل المضارع يدل على الحال والاستقبال، وهذا لا يناسب علم الله لأنا نقول الأفعال الواقعة في التعاريف مجردة عن الزمان، ولا دلالة لها عليه، فكأنه قيل صفة يحصل بها انكشاف ما تعلقت به كذا قيل، وأنت خبير بأن الفعل هنا وإن كان الملاحظ منه المصدر وهو الانكشاف إلا أن التعبير بالانكشاف هنا غير لائق من جهة أنه انفعال بوهم حدوث إيضاح بعد خفاء؛ وهذا وإن ناسب العلم الحادث لا يناسب علم الله لأن علم الباري منزه عن ذلك؛ فاللائق أن يقال صفة لها تعلق بالشيء على وجه الإحاطة به على ما هو عليه دون سبق خفاء، وأُوْرِدَ على تعريف المصنف أنه غير مانع لشموله للسمع والبصر، وأجيب بأن المراد بقوله ما تتعلق به أي المذكور سابقا في المتن، وحينئذ فلا يدخل السمع البصر أو بأنه لا ضرر في شمول التعريف لهما؛ لأنهما نوعان من العلم على أحد قولين، والمصنف قد مشى على ذلك القول، ولا يقال يبعد مرور المصنف على هذا القول عده السمع والبصر مع العلم وعدم استغنائه بالمشمول عن الشامل؛ لأن مقصود المصنف ذكر العقائد مفصلةً، لأن استخراج الجزئيات من الكليات عسير، والجهل في هذا العلم خطره كبيرٌ، على أنه يمكن أن المصنف مر في المتن على قول، وفي الشرح على قول آخر.

والحاصل أن السمع والبصر عندهم وصفان ثابتان لا يرجعان للعلم باتفاقٍ، وينكشف بهما بعضُ ما ينكشف بالعلم، وهل بينهما تقارب فيكونان نوعين منه أوْ لا فلا، قولان: للاشعري وغيره من أهل الحق، فشمول التعريف لهما مبني على القول الأول، ثم إن قوله ينكشف بها ما تتعلق به مراده أنه ينكشف بها لمن قامت بها الأمور التي تتعلق به، فخرج الكلام؛ فإنه بسبب دلالته ينكشف به المدلول أيضا لكن لمن اطلع عليه وسمعه، فاندفع ما يقال إن التعريف المذكور صادق بالكلام إذ يصدق عليه أنه صفة ينكشف بها ما تتعلق به وهو المدلول مع أنه لا يسمى علمًا، والدليل على هذا المراد الإتيان بباء السببية في قوله ينكشف بها؛ فإنها تدل على أن الصفة سبب وعلة في الانكشاف، والعلة إنما توجب الحكم لمن قامت به، وأنت خبير بأن صريح هذا الجواب أن المتكام لا ينكشف له بالكلام متعلق الكلام وهو غير صحيح، إذ لمولى جل جلاله يدل كلامه على أمور لا نهاية لها؛ وتنكشف له منه، فالأولى أن يقال إن مراد المصنف بقوله ينكشف بها ما تتعلق به أي لمن قامت به فقط فخرج الكلام فإنه صفة ينكشف بها ما تتعلق به لمن قامت به ولغيره وهو سامعه، وبهذا الجواب الذي أجيب به عن خروج الكلام من التعريف يجاب أيضا عن خروج الخاصة والفصل منه كالضاحك والناطق بالنسبة للإنسان، فإن كلًا منهما صفة ينكشف بها ما تتعلق به وهو المعرف ولا يسميان علما، وذلك لأن الانكشاف ليس لمن قامتا به وهو المعرف بل لغيره وهو السامع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت