وقد أحرق كبده خوف فوات رضا المولى الذي لا يمكن منه خلف، تطير روحه أحيانا وترفرف لقصد الخروج من شدة الحب وانزعاج حرارة الشوق، فيردها محيط قفص البدن، ثم يَهُبُّ عليها نسيم الوصلة فتسكن روحه لذلك بعض سكونٍ، فبينما هو في مكابدة هذه الأحوال، والتنعم بالمحبوب وراء الحجاب، إذْ هو قد أصبح قريبا بنفس موته متصلا بمحبوبه دون حجاب، يتنعم برؤية من ليس كمثله شيء جل رب الأرباب، فألقى عليه من خلع الكرامات ما يليق بكرمه ومنحه ما لا يحيط به عقلٌ، ولا يحصيه ديوان من طرائف هباته وجلائل نعمه، وأصبح بعد أن كان حقيرا مسكينًا لا يُعبأ به ملكا من ملوك الجنة، يسرح فيها أين شاء، ويتنعم كيف شاء منها، وتطوف عليه الحور العين والولدان، ويرى إثر الموت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب إنسان، فهذا أيها العاقل هو الملك الذي يحق أن تبذل فيه النفوس والمهج، ثم هي والله ليست بقيمة لشيء منه لولا فضل الله الكريم الوهاب، فحدث عن بحر فضله العظيم بما شئت ولا حرج، قال:
دببت للمجد والساعون قد بلغوا * حد النفوس وألقوا دونه الأزر
وكابدوا المجد حتى ملَّ أكثرهم *** ...
[حاشية الدسوقي]
رضا المولى عليها.
(قوله: وقد أحرق الخ) جملة حالية (قوله: خوف فوات رضا المولى) أي فخوفه الفوات قائم به قيام النار بمحلها. (قوله: الذي لا يمكن منه خلف) صفة لرضا المولى، ومنه متعلقة بخلف، أي الذي لا يمكن عوض عنه، أي إنه ليس هناك عوض يقوم مقام رضا المولى. (قوله: تطير روحه) أي تهم للطيران والخروج من البدن، وهذه الجملة جواب بينما، وكان الأولى قرنه بإذ الفجائية، بأن يقول إذ طارت روحه الخ أي همت للطيران، وقوله وترفرف تفسير لما قبله، وقوله لقصد الخروج أي من البدن. (قوله: محيط قفص البدن) أي محيط البدن الشبيه بالقفص، فإضافة قفص للبدن من إضافة المشبه به للمشبه، أو إنها بيانية أي محيط قفص هو البدن. (قوله: نسيم الوصلة) أي الوصلة الشبيهة بالنسيم فإذا هب عليها نسيم الوصال سكنت بعدما كادت أن تخرج من البدن، فقوله لذلك أي لأجل ذلك الهبوب. (قوله: في مكابدة) أي معالجة، وقوله هذه الأحوال أي هَمُّ روحه بالخروج تارة وسكونها تارة أخرى. (قوله: التنعم بالمحبوب) أي بملاحظة كونهم في حضرة المحبوب، والحال أنهم وراء الحجاب المانع لمشاهدة أبصارهم لذلك المحبوب، والحاصل أن أهل الله يتنعمون في الدنيا بملاحظة كونهم في حضرة الله وبين يديه، والحال أن أبصارهم محجوبة عن مشاهدته بألف حجاب، فأل في الحجاب للجنس. (قوله: إذ هو قد أصبح الخ) جواب بينما يعنى أنه في حال مكابدة هذه الأحوال يفاجئه خروج روحه فيصير قريبا من المولى بمجرد موته، وتشاهد روحه الذات العلية، وتخاطبها، ويزول ما كان مانعًا لها، وحاجبًا لها من المشاهدة (قوله: رب الأر باب) أي رب المربوبين أي المخلوقين. (قوله: فألقى الح) هو وقوله"ومنحه"كل منهما ماض بمعنى المضارع. (قوله: من خلع الكرامات) الإضافة للبيان أو من إضافة المشبه به للمشبه. (قوله: ومنحه) أي ويمنحه بمعنى يعطيه (قوله: من طرائف هباته) الطرائف بالطاء المهملة جمع طريفة، وهي الشيء المستحسن، عظيم الشأن، وإضافته لما بعده للبيان أو من إضافة الصفة للموصوف، أي من هباته الطريفة أي المستحسنة. (قوله: وجلائل نعمه) أي نعمه الجليلة أي العظيمة، والعطف مرادف. (قوله: وأصبح بعد أن كان) أي وصار بعد أن كان قبل موته حقيرًا. (قوله: ويرى إثر الموت) بكسر الهمزة وسكون المثلثة، أي ويرى عقب الموت من النعم التي ينعم الله بها عليه. (قوله: هو المُلْك) بضم الميم وسكون اللام والمشار إليه بهذا ما يعطاه بعد الموت من خلع الكرامات، وما يمنحه من طرائف الهبات. (قوله: النفوس والمهج) أي الأرواح والذوات. (قوله: ثم هي) أي النفوس والمهج (قوله: ليست بقيمة لشيء منه) أي مما يعطاه بعد الموت من طرائف الهبات. (قوله: لولا فضل الله الكريم) أي ما أعطاه تلك الهبات الطريفة بعد الموت، فإعطاؤها له بمحض فضله لا في مقابلة شيء، إذْ لا قيمة لها لعظمها. (قوله: عن بحر فضله) أي فحدث عن فضل ربنا العظيم الشبيه بالبحر. (قوله: دببت) أي سعيت شيئا فشيئا، وهو بضم التاء أو بفتحها على أنه من باب التجريد. (قوله: للمجد) أي للعز والشرف، والمراد سعيت لأسباب المجد. (قوله: والساعون) أي للمجد أي لأسبابه. (قوله: قد بلغوا حد النفوس) أي قد بلغوا في سعيهم الحد الذي تطيقه النفوس وتقدر عليه. (قوله: وألقوا دونه) أي دون أسبابه الأُزُر، وتوجهوا إليها أي أنهم طرحوا الأُزُر الساترين بها لعوراتهم وذهبوا لأسباب المجد عرايًا خوفا من أن تمنعهم تلك الأُزُر من سرعة الوصول لتلك الأسباب، والأُزُر في الأصل جمع إزرة، وهي ما يستر به ما بين السرة والركبة، والمراد بها هنا تعلقات الدنيا، فكان البعض من الساعين يذهب للجبال بالجوع والعطش، ويشتغل بالعبادة، وبعضهم يدخل الخلوة ولا يخالط الناس ولا يسأل أحدًا عن شيء يقتاته، ويشتغل بالعبادة. (قوله: وكابدوا المجد) أي وعالجوا أسباب المجد أي تحملوا المشقة في التلبس بأسباب المجد وهي العبادة. (قوله: حتى ملَّ)