فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 238

.*** وعانق الجد من وافى ومن صبرا

لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله *** لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر

فسبحان من أكرم قومًا، وأكمل عقولهم، وعلاهم دنيا وأخرى إلى أعلى المنازل، وحط قوما مع مساواتهم لهم في الصورة البشيرة إلى أرذل شيء من الحضيض السافل، ومَلَّكَهُم لأخس شيء وهو النفس والشيطان والهوى، فاتبعوهم في غير شيء، وعرضوهم دنيا وأخرى لمهالك عظيمة وهول إثر الموت شديد مستطيل نازل، وحسبوا لعمى بصائرهم وتناهي حماقاتهم وشدة بلائهم وكثرة محنهم أنهم طفروا بشيء من اللذائذ، وهم والله قد خرجوا من الدنيا ولم يظفروا بشيء من لذائذ العاجل والآجل.

يُقْضَى على المرء في أيام محنته *** حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن

إلى المولى الكريم نشكو ما أصابنا من التخلف عن وفاق ذوى الهمم السادة الكرام، وبقائنا عاجزين مطروحين في ساقة الأخساء اللئام، نتجاذب معهم بقلوبنا وجوارحنا شهوات وهمية لا جدوى لها ولا طائل تحتها عند سبرها بمحك التحقيق التام، بل هي في الحقيقة سموم قاتلة وعورات بادية وعذرات منتنة حجب نتنها عن الجهلة النيام ذوى الأوهام ثم تشاغلنا بها يا طول حسرتنا، ولهفنا وعظيم حمقنا في مفازة مهلكة يخشى فيها من الانقطاع والهلاك بمجرد التفاتة واحدة عن المقصد والمرام، فكيف بما نحن فيه من التلفت عن مهيع الاستقامة حتى عدلنا يا ويلنا عن سنن الهدى، وقصدنا بجهلنا عين مواضع الهلاك بقوة العزم

[حاشية الدسوقي]

من الملل وهو السآمة أي حتى سئم أكثرهم، أي من تعاطي أسباب المجد، فلم يصل له، ووصل له أقلهم، فالطالبون كثير والواصلون قليل. (قوله: وعانق المجد) أي وحصل المجد. (قوله: من وافى) أي من وافى أسبابه وحصلها بتمامها، وقوله ومن صبر بفتح الباء أي ومن صبر على تعاطيها وتحصيلها، ولم يحصل له جزع. (قوله: لا تحسب المجد الخ) أي لا تحسب المجد شيئا هينا يحصل بدون مشقة كتمر تأكله بسهولة. (قوله: تلعق الصبر) بكسر الباء وهو الدواء المعلوم، والمراد بلعق الصبر هنا مقاساة الشدائد، ولأجل كون المجد لا ينال إلا بمقاساة الشدائد، قال بعضهم لا ينال العلم مستحي ولا متكبر. (قوله: من أكرم قوما) أي وهم الطائعون. (قوله: وحط قوما) أي وهم العاصون، وقوله مع مساواتهم أي العصاة، وقوله لهم أي للقوم الأول وهم الطائعون. (قوله: من الحضيض السافل) وصفُ الحضيضِ بالسافل وصفٌ كاشفٌ له، لأن الحضيض المنزلة السفلى. (قوله: ومَلَّكَهُم) أي القوم الأخر وهم العصاة أي جعلهم مملوكين للشيطان وللنفس والهوى التي هي أخس الأشياء. (قوله: في غير شيء) أي نافع، ففي الكلام حذف الصفة، أي وإنما تبعوهم في الأشياء المضرة. (قوله: وعرضوهم) أي أنهم عرضوهم في الدنيا للمهالك العظيمة، وفي الآخرة للأهوال الشديدة الحاصلة بعد الموت، فقوله لمهالك راجع للدنيا، وقوله وهول راجع لقوله أخرى، ففيه لف ونشر مرتب. (قوله: لعمى بصائرهم) علة لقوله أنهم ظفروا مقدمة عليه. (قوله: وتناهي حماقاتهم) أي قلة عقولهم، (قوله: أنهم ظفروا) معمول لقوله وحسبوا أي وحسبوا أنهم فازوا بشيء. (قوله: من لذائذ العاجل والآجل) أي الدنيا والآخرة، وذلك لأن اللذة الحقيقية هي العلوم والمعارف الحاصلة في الدنيا والآخرة، فالموفق متلذذ بمعرفة الله في الدنيا والآخرة، بخلاف غير الموفق.

(قوله: في أيام محنته) المراد بأيام محنته زمن امتحانه بكثرة المال، وهذا البيت أتى به شاهدًا لقوله وحسبوا انهم فازوا الخ. (قوله: حتى يرى حسنا) أي حتى يرى أن التلذذ بالأمور الدنيوية حسن، والحال أنه ليس بحسن. (قوله: وبقائنا) عطف على التخلف أي ومن بقائنا. (قوله: في ساقة) أي الجماعة المتأخرين، وأما الجماعة المتقدمة فيقال لهم مقدمة. (قوله: اللئام) جمع لئيم وهو من لم يحافظ على عهود الخلق والخالق. (قوله: نتجاذب) أي نتنازع معهم في شهوات الخ. (قوله: شهوات وهمية) أي أمورا يدعو لها الوهم لا العقل، وأشار بهذا إلى ما كان يقع بينه وبين معاصريه من الجدل والمنازعة في بعض المسائل الكلامية. (قوله: لا جدوى لها) بالدال المهملة أي لا فائدة لها. (قوله: عند سبرها) أي عند سردها واختبارها بمحك التحقيق، والمحك هو الآلة التي يعرف بها جيد الذهب والفضة من رديئهما، والمراد بالتحقيق الكلام الحق، وحينئذ فإضافة محك للتحقيق من إضافة المشبه به للمشبه، أو أنه أراد بالمحك العقل الذي هو آلة للتحقيق، أي أن تلك الشهوات إذا سردت وامعنت النظر فيها وجدتها خالية عن الفائدة.

(قوله: النيام) جمع نائم (قوله: ذوي الأوهام) أي التابعين لأوهامهم لا لعقولهم. (قوله: ولهفنا) أي ويا طول تلهفنا، والتلهف التحسر والتندم. (قوله: حمقنا) أي قلة عقلنا (قوله: في مفازة) متعلق بتشاغلنا بها، والضمير في بها راجع للشهوات الوهمية. (قوله: عن المقصد والمرام) أي المطلوب كحدوث العالم وتنزيه المولى وصفاته عما لا يليق، فالالتفات عن ذلك يخشى منه على الإنسان التلف. (قوله: عن مهيع) أي طريق (قوله: سنن الهدى) أي طريقه (قوله: بقوة العزم) أي بالعزم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت