فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 238

وذلك أنه قد وجب لمولانا جل وعز القدم والبقاء لئلا يلزم الدور أو التسلسل لو كان تعالى حادثًا، فلو كان تعالى جرما لوجب له الحدوث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا لما تقرر من وجوب الحدوث لكل جرم، فيلزم إذن أن لو كان تعالى جرما أن يكون واجب القدم لألوهيته، وواجب الحدوث لجرميته، تعالى عن ذلك علوا كبيرًا، وذلك جمع بين النقيضين لا محالة، فقد عرفت أيضا بهذا انقسام المستحيل إلى ضروري ونظري. وقوله والجائز ما يصح في العقل وجوده وعدمه

[حاشية الدسوقي]

وهو الجمع بين الشيء والأخص من نقيضه.

(قوله: ذلك) أي بيان ذلك أي الجمع بين النقيضين أنه قد وجب الخ، وحاصله إثبات القدم والبقاء بابطال مقابلهما وهو الحدوث. (قوله: لئلا يلزم الخ) علة لقوله وجب لمولانا الخ. (قوله: فلو كان تعالى جرما الخ) هذا قياس استثنائي متعلق من حيث المعنى بقوله أولًا:"فإن استحالة هذا المعنى عليه".

إن قلت شرط انتاج القياس الشرطي أن تكون الشرطية فيه كلية وهي هنا مهملة لأن لو للإهمال، والمهملة في قولة الجزئية فالجواب أن المراد هنا الكلية إذ المراد أنه كلما كان المولى جرما وجب له الحدوث. (قوله: لما تقرر) أي في كلامهم وهذا بيان لوجه الملازمة في الشرطية وهي قوله لو كان جر ما لوجب له الحدوث (قوله: فيلزم اذن) أي وقت أن نظرنا في الدليل وهو مجموع ما سبق من قوله وذلك الخ (قوله: أن يكون الخ) فاعل لزم أي لزم أن يكون واجب القدم لما تقدم من إثبات القدم بإبطال مقابله وهو الحدوث.

(قوله: لألوهيته) أي لأجل كونه إلها أي معبودا بحق.

(قوله: وواجب الحدوث) أي ولزم أن يكون واجب الحدوث لجرميته أي لكونه جرما، يعني لما تقرر في كلامهم من وجوب الحدوث لكل جرم (قوله: وذلك) أي لزوم وجوب القدم ووجوب الحدوث لشيء واحد أو كونه واجب القدم واجب الحدوث، والمعنى ظاهر. (قوله: جمع بين النقيضين) فيه أن الحدوث ليس نقيضا للقدم وإنما نقيضه لا قدم، لما اشتهر أن نقيض كل شيء رفعه وفي بعض الحواشي هما نقيضان لغةً، وأما في الاصطلاح فكل منهما مساوٍ لنقيض الآخر لأن نقيض القدم لا قدم وهو مساوٍ للحدوث، ونقيض الحدوث لا حدوث وهو مساوٍ للقدم. اهـ. وفيه نظر لأن المساواة ممنوعة فإن لا قديم أعم من حادث لصدقه بالأعدام الأزلية، وكذلك لا حادث أعم من قديم لصدقه عليها دونه؛ لأن القديم هو الموجود الذي لا أول له، والأزلي هو ما لا أول له وإن لم يكن موجودًا، وهذا بناء على القول بأن الأزلي أعم من القديم فإن مررنا على القول بترادف الأزلي والقديم وأنهما عبارة عما لا أول له كان موجودا أم لا كانت المساواة ظاهرة.

(قوله: فقد عرفت أيضا) أي كما عرفت انقسام الواجب إلى ضروري ونظري. (وقوله: بهذا) أي بقولنا إما ابتداء أو بعد سبق نظر. (قوله: والجائز الخ) هو مرادف للمكن عند المتكلمين، وأما عند أهل المنطق فالممكن قسمان خاص وهو المرادف للجائز، وعام وهو ما لا يمتنع وقوعه فيدخل فيه الواجب والجائز العقليان، ولا يخرج عنه إلا المستحيل العقلي.

(قوله: ما يصح في العقل وجوده وعدمه) أي ما يجوز العقل وجوده بدلًا عن عدمه، أي ما يجوز العقل وجود أفراده في نفس الأمر بدلًا عن عدمها، ويجوز عدمه بدلًا عن وجوده لكونه لا يترتب على واحدٍ منهما محال، والظاهر أن"ما"واقعةٌ على معلوم أو مفهوم أو حكمٍ؛ الصادق بالمحكوم به وعليه والنسبة، لا على شيء لأنه اصطلاحا الموجود، فيقتضي أن المعدوم لا يتصف بالإمكان الذي هو الجواز. نعم"الشيء"لغة يطلق على الموجود والمعدوم، فيجوز جعل ما واقعة على شيء باعتبار معناه اللغوي لا الاصطلاحي، وهو بمنزلة الجنس، وقوله في العقل متعلق بيصح وهو بمنزلة الفصل خرج به المحال لأن العقل لا يجوز وجود أفراده، وخرج الواجب أيضا لأن العقل لا يجوز عدم أفراده في نفس الأمر؛ لأنها واجبة الوجود فيه.

بقي شيء أخر: وهو أن قياس تعريْفَي الواجب والمستحيل أن يُقال والجائز ما يتصور في العقل وجوده وعدمه، والظاهر أن النكتة في التعبير بالصحة الإشارة إلى أن المراد ما هو المتبادر إلى الفهم منها وهو مجرد إمكان تصور وجوده وعدمه في العقل وإن لم يوجد ذلك التصور فيه بالفعل، بل ولو لم يوجد عقل بالكلية، بخلاف ما لو قال ما تقدم فإنه يتبارد منه أن المراد ما يتصور في العقل بالفعل، وذكر بعضهم أنه للتفنن، وأورد على التعريف أنه غير جامع لخروج الأحوال في حق الحادث منه؛ لأنه قال ما يصح وجوده وعدمه والاحوال لا تقبل الوجود والعدم فهي خارجة من الحد، والمطلوب دخولها فإما أن يقال المراد بالوجود التحقق في نفس الأمر، والأحوال متحققة في نفس الأمر وإن لم تكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت