فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 238

اقتضى ذلك؛ لكن إدراك العقل لجواز هذا المعنى موقوف على تحقيق النظر الذي قدمناه، فبان لك بهذا أن الجائز ينقسم أيضا إلى ضروري ونظري كما انقسم القسمان اللذان قبله، واتضح بهذا أن الأقسام الثلاثة قد تفرعت إلى ستة أقسام، من ضرب ثلاثة في اثنين، إذ كل قسم منها فيه قسمان، وإنما قيدنا الصحة بالعقل في حق الجائز فقلنا فيه ما يصح في العقل ليدخل فيه نحو جواز العذاب في حق المطيع فإن العقل هو الحاكم بصحة وجود العذاب وعدمه في حقه، بمعنى أنه لو وقع كل منهما لم يلزم من وقوعه نقص في حقه تعالى ولا محال البتة.

أما الشرع فقد بين أن الله تعالى قد اختار بمحض فضله للمؤمن المطيع أحد الأمرين الجائزين في حقه تعالى وهو الثواب والنعيم المقيم، كما اختار تعالى بعدله للكافر الجائز الآخر وهو النار والعذاب الأليم.

واعلم أن الحركة والسكون للجرم يصح أن يمثل بهما لأقسام الحكم العقلي

[حاشية الدسوقي]

من شوائب الجبر والأغراض. (قوله: اقتضى ذلك) أي الاختصاص المذكور. (قوله: لجواز هذا المعنى) أي لجواز وجود الثواب أو العقاب أو عدمهما، وعبر هنا بالجواز وفيما سبق بالصحة تفننًا.

(قوله: على تحقيق النظر الذي قدمنا) أي الذي قدمناه وهو النظر في برهان الوحدانية، ومعرفة أن الأفعال كلها مخلوقة لله الخ.

(قوله: فبان لك) أي فظهر لك بهذا التقرير السابق. (قوله: كما انقسم القسمان اللذان قبله) وهما الواجب والمستحيل، وهذا تأكيد لما استفيد من قوله أيضا (قوله: واتضح بهذا) أي بانقسام كل من الواجب والمستحيل والجائز إلى ضروري ونظري. (قوله: إن الأقسام الثلاثة) أي وهي الواجب والمستحيل والجائز (قوله: قد تفرعت) ضمنه معنى انتهت، فلذا عداه بإلى.

(قوله: من ضرب الخ) أي حاصلة تلك الأقسام الستة من ضرب ثلاثة الواجب والمستحيل والجائز في اثنين وهما الضروري والنظري. (قوله: وإنما قيدنا الصحة بالعقل) أي ولم نطلقها بأن نقول ما يصح وجوده وعدمه، والمناسب لقوله في التعريف ما يصح في العقل أن يقول وإنما قيدنا الصحة بقولنا في العقل لأن التقييد وقع بمجموع الجار والمجرور لا بالمجرور وحده. (قوله: في حق) أي في جانب الجائز (قوله: ليدخل فيه) أي في الجائز نحو جواز الخ أي ولو أطلقناها لم يدخل لأنه لا يجوز العذاب في حقه شرعًا؛ مع أنه ممكن والظاهر أن هذا التقييد ضروري مع التعبير بالصحة لأنها كما قال القرافي ثلاثة أقسام عقلية وعادية وشرعية فيجب في مقام التعريف التقييد لدفع مزاحمة الغير وقوله نحو جواز العذاب في حق المطيع فيه أن المراد دخول عذاب المطيع لأنه هو الذي من أفراد الجائز لا جواز عذابه فالأولى حذف جواز إلا أن يقال إنه من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ والمعنى ليدخل فيه العذاب الجائز في حق المطيع ونحوه من إثابة العاصي والكافر (قوله: فإن العقل الخ) هذا علة للمعلل مع علته أي وتقييدها الصحة بكونها في العقل لدخول عذاب المطيع لأن العقل الخ (قوله: بصحة) أي بجواز، وقوله وجوب العذاب أي عذاب المطيع فأل للعهد أو إنها عوض عن المضاف إليه.

(قوله: في حقه) أي في حق الله تعالى (قوله: بمعنى الخ) أي وصحة وجود العذاب عدمه من الله بمعنى الخ لا بمعنى رفع الحرج عن الله في ذلك وكونه مخيرا فيه لأنه ليس هناك من هو أعلى من الله حتى إنه يرفع عنه الحرج في ذلك ويخيره فيه. (قوله: أنه) أي الحال والشأن (قوله: كل منهما) أي العذاب وعدمه (قوله: لم يلزم من وقوعه نقص) أي لأنه مالك لجميع الأشياء والمالك لا يلحقه نقص فيما يصنعه في ملكه (قوله: بمحض فضله) أي بفضله المحض أي الخالي عن شائبة الجبر (قوله: وهو) أي أحد الأمرين (قوله: الثواب والنعيم المقيم) قد علمت أن الثواب مقدار من الجزاء تفضل الله به على من يشاء من عباده في مقابلة أعمالهم الحسنة، وأما النعيم فهو ما أعطاه الله لعباده من النعم كان في مقابلة عمل أو لا بأن كان تفضلا منه سبحانه وتعالى، وحينئذ فعطف النعيم على الثواب من عطف العام على الخاص وقوله المقيم أي الدائم (قوله: كما اختار تعالى بعدله للكافر الخ) انظر ما أحسن صنيع الشارح حيث ترك العاصي في هذه الجملة ولم يتعرض له إشارة إلى أنه محل للترك والعفو كرمًا فيجوز شرعًا أن يعفو عنه، وبه يعلم أن محل الخلاف في إثابة العاصي هل هي جائزة شرعا أو عقلا غير العفو، وأما العفو فهو جائز واقع.

(قوله: الجائز الآخر) مفعول اختار (قوله: الأليم) أليم فعيل إما بمعنى مُفْعِل بكسر العين أي المؤلم بكسر اللام وإما بمعنى مُفْعَل بفتح العين أي المؤلم بفتح اللام، ويكون كناية عن شدة الألم حتى كأن العذاب هو المؤلم بفتح اللام.

(قوله: للجرم) أي الكائنين للجرم (قوله: لأقسام الحكم العقلي) أي للضروري من أقسام الحكم العقلي لا للنظري منها؛ لأن كل ما ذكره من ثبوت أحدهما لا بعينه أو ثبوت أحدهما بعينه أو نفيهما فهو ضروري، وقوله لأقسام الحكم العقلي على حذف مضاف أي لأقسام متعلق الحكم العقلي وهو النسبة التامة، وقوله أن يمثل بهما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت