والإجماع، وأيضًا لو لم يتصف بها لزم أن يتصف بأضدادها، وهي نقائص، والنقص عليه تعالى محال.
(ش) هذه الثلاثة لما لم تتوقف على معرفتها دلالة المعجزة على صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام صح أن يستند في معرفة وجوب اتصافه تعالى بها إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام، والدليل الشرعي فيها أقوى من الدليل العقلي، ولهذا بدأنا به في أصل العقيدة، وقولنا فيها في الدليل الثاني العقلي والنقص على الله تعالى محال يعنى لأنه يستلزم أن يحتاج حينئذ إلى من يكمله بأن يدفع عنه ذلك النقص، ويخلق له الكمال، وذلك يستلزم حدوثه وافتقاره إلى إلهٍ آخر، كيف وقد تقرر بالدليل وجوب الوحدانية له تعالى، وأيضا لو اتصف تعالى بتلك النقائص لزم أن يكون بعض مخلوقاته أكمل منه تعالى الله عن ذلك، لسلامة كثير من المخلوقات من تلك النقائص، والمخلوق يستحيل أن يكون أشرف من خالقه، وهذا الدليل العقلي وإن كان لا يسلم من الاعتراض فذكره على سبيل التبعية
[حاشية الدسوقي]
ولا تجهدوها برفع الأصوات في الدعاء، فإنكم لا تدعون الخ.
(قوله: والإجماع) هو اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على حكم من الأحكام، وقد حكى غير واحد من علماء السنة انعقاد الإجماع على أنه سبحانه وتعالى سميع بصير، وقال السعد في شرح المقاصد: انعقد إجماع أهل الأديان بل إجماع العقلاء على ذلك، ثم قال: وبالجملة لا خلاف بين أرباب الملل والمذاهب في كون الباري متكلمًا، وإنما الخلاف في معنى كلامه وفي قدمه وحدوثه اهـ، فإن قلت غاية ما دل عليه الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة أنه تعالى سميع بصير متكلم، وليس كلام المصنف بصدد ذلك، بل بصدد أن له صفات معان زائدة على ذاته يتصف بها تسمى السمع والبصر والكلام، والكتاب والسنة لم يصرحا بذلك، ولم ينقل عن أحد أنه حكى الإجماع على هذا الوجه، فالدليل لا يتم إلا لو كانت الآيات والأحاديث مصرحة بذلك، وكان الإجماع على هذا الوجه، وإلا فالمعتزلة يقولون إنه سميع بصير بذاته ومتكلم أي خالق للكلام في شجرة ونحوها، فهم موافقونا على أنه تعالى سميع بصير متكلم، ومخالفونا في مدعانا وهو أنها صفات زائدة على الذات، متصف بها المولى.
قلت: إن أهل اللغة يفهمون من سميع بصير متكلم التي صرح بها الكتاب والسنة وأجمعت الأمة عليها أنه قام به السمع والبصر والكلام، فإذا ضممت ما فهمه أهل اللغة لما صرح به الكتاب والسنة وانعقد الإجماع عليه ثبت مدعانا؛ وهو أن كل واحدة من تلك الأمور الثلاثة صفة موجودة زائدة على الذات متصفة بها، فقول المصنف فالكتاب والسنة والإجماع أي مع ضميمة ما فهمه أهل اللغة.
(قوله: لزم أن يتصف بأضدادها) أي لكن التالي باطل فبطل المقدم، وهو عدم اتصافه، وثبت نقيضه وهو اتصافه تعالى بها، ووجه الملازمة بين المقدم والتالي، أن القابل للشيء إما أن يتصف به أو بضده، فالمولى قابل للاتصاف بها، فمتى انتفى اتصافه تعالى بها لزم أن يتصف بأضدادها، والحاصل أن كل حي قابل لصفة لا يخلو عن الاتصاف بها أو عن مثلها أو عن ضدها، لأن القبول نفسي، وكل حي قابل لهذه الصفات بدليل امتناع اتصاف الموتى بها، وصحة اتصاف الأحياء بها، فالمصحح الحياة، وحينئذ فالمولى إذا لم يتصف بها لزم أن يتصف بأضدادها، ودليل الاستثنائية قياس اقتراني قائل: أضداد هذه الصفات نقائص، وكل نقص عليه تعالى محال، ينتج أضداد هذه الصفات عليه تعالى محال، وقد أشار المصنف لهذا القياس الاقتراني المستدل به على صحة الاسنثنائية بقوله وهي نقائص، والنقص عليه تعالى محال. (قوله: لَمَّا لم تتوقف على معرفتها دلالة الخ) الأولى لما لم تتوقف عليها المعجزة الدالة على صدق الرسل صح الخ، وحاصله أن هذه الصفات الثلاثة لا تتوقف المعجزة الدالة على صدق الرسل عليها، لأن الأعمى والأصم والأبكم يتأتى منه الفعل، فلذا صح الاستدلال على اتصاف المولى بها بالسمع، بخلاف الصفات المتقدمة فإنها لما توقف عليها الفعل امتنع الاستدلال عليها بالسمع للزوم الدور كما مر. (قوله: إلى قول الرسل) يدخل فيه الإجماع باعتبار أصله، إذ لابد له من مستند شرعي، ويشمل التقرير إن فرض وقوع دليل به، ويحمل القول على ما يشمل النفساني. (قوله: والدليل الشرعي فيها أقوى من الدليل العقلي) اعترض بأن العقلي لا قوة فيه، وذلك لأن المطلوب في العقائد اليقين، والدليل العقلي المذكور هنا لا ينتجه لعدم صحته كما سيظهر لك، وحينئذ فلا يوصف بكونه دليلا فضلًا عن القوة، فلا وجه للتعبير بأفعل التفضيل المقترن بمن. (قوله: يعنى لأنه يستلزم الخ) هذا دليل للكبرى من الاقتراني الذي أقيم على الاستثنائية، وأما الصغرى القائلة: وهي نقائص فلم يذكر لها دليلًا، لورود الاعتراض عليها كما يأتي لك بيانه. (قوله: وإن كان لا يسلم من الاعتراض الخ) الاعتراض الذي أشار له وارد على الملازمة، وعلى الاستثنائية، أما على الملازمة فبأن يقال: قولكم لو لم يتصف بها لاتصف بأضدادها لا نسلمه، وذلك لأنكم بنيتم الملازمة على قاعدة، وهي أن القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده، وقلتم الذات العلية قابلة للأوصاف المذكورة، فمتى انتفت لزم أن تتصف بأضدادها، وهذا فيه نظر لأن الحكم