فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 238

على الحس، مثال ذلك الحكم على النار أانها محرقة فهذا حكم عادي، إذ معناه أن الإحراق يقترن بمس النار في كثير من الأجسام لمشاهدة تكرر ذلك على الحس، وليس معنى هذا الحكم أن النار هي التي أثرت في إحراق ما مسته مثلا أو في تسخينه إذ هذا المعنى لا دلالة للعادة عليه أصلًا، وإنما غاية ما دلت عليه العادة الاقتران فقط بين الأمرين، أما تعيين فاعل ذلك فليس للعادة فيه مدخل ولا منها يُتلقى عُلْمُ ذلك، وقس على هذا سائر الأحكام العادية، ككون الطعام مشبعاُ، والماء مرويا، والشمس مضيئةً، والسكين قاطعةً، ونحو ذاك مما لا ينحصر، وإنما يتلقى العلم بفاعل هذه الآثار المقارنة لهذه الأشياء

[حاشية الدسوقي]

منا بأن شراب السكنجبين مسكن للصفراء تقليدا للأطباء في ذلك.

(قوله: على الحس) متعلق بتكرر، والمراد بالحس ما يشمل الظاهري والباطني، فربط الإحراق بالنار أي اقترانهما يتكرر على الحس الظاهري، وربط الجوع بعدم الأكل يتكرر على الحس الباطني وهو المسمى بالوجدان.

(قوله: الحكم على النار بأنها محرقة) أي بقولك النار محرقة.

(قوله: فهذا) أي الحكم على النار بانها محرقة أي إدراك ثبوت الإحراق لها مستندا إلى تكرر القران بين النار والإحراق على الحس حكم عادي (قوله: إذ معناه) أي معنى الحكم على النار بأنها محرقة بقولنا النار محرقة أن الإحراق يقترن الخ، وهذا كلام مبنى على المسامحة وذلك لأن قولنا النار محرقة خبر من الأخبار، وقد اختلفوا في معنى الخبر ومدلوله، فقيل: هو الحكم بالنسبة التي تضمنها، وقيل نفس النسبة، فمعنى زيد قائم الحكم بثبوت قيامه أي إدراك ثبوت قيامه، وقيل نفس ثبوت قيامه، وحينئذ فمعنى النار محرقة إدراك ثبوت الإحراق للنار أو ثبوت الإحراق لها على معنى أنها سبب في الإحراق لا مؤثرة فيه، وقد قدم المصنف أن حقيقة الحكم العادي إثبات الربط وقيامه أن المعنى هنا إدراك ثبوت الإحراق للنار.

(قوله: بمس النار) أي بالنار الماسة لما أحرقته فلا يخالف ما مر من أن الأمرين اللذين أدرك العقل الربط بينهما النار وإحراق الجسم الممسوس. (قوله: في كثير الخ) أشار بذلك إلى أن بعضها لا تؤثر فيه كالخليل عليه السلام، وكبعض الحيوانات كالسمندو، وبعض المعادن كالياقوت، فقوله في كثير من الأجسام"في"بمعنى"اللام"متعلق بالإحراق أي لكثير من الأجسام لا لكلها لتخلفه في بعضها.

(قوله: لمشاهدة تكرر ذلك على الحس) الإشارة راجعة للاحراق أي لمشاهدة تكرر الإحراق عند الاقتران، وقوله على الحس متعلق بتكرر أي لمشاهدة تكرر الحراق عند المقارنة على الحس، لكن قد تقدم للشارح إضافة تكرر للقران فمقتضاه أن الإشارة ترجع للقران وفيه أن المشاهد الإحراق المتكرر لا الاقتران، وأراد بالحس نفس الحاسة لا الإدراك بها.

(قوله: وليس معنى هذا الحكم الخ) مقتضاه أن الأمرين اللذين أدرك العقل بينهما الربط هما النار وإحراق الجسم الممسوس وهو خلاف قوله إذ معناه أن الإحراق يقترن بمس النار، فإن الطرفين على هذا الإحراق والمس، وقد تقدم الجواب عنه بأن معنى قوله بمس النار أي بالنار الماسة وحينئذ فلا مخالفة والمأخوذ من كلامه في شرح المقدمات أن الأمرين اللذين أدرك العقل الربط بينهما النار واحراق الجسم لأنه قال في قوله وعدم تأثير أحدهما في الآخر البتة: هذا رد على من زعم تأثير أحدهما في الأخر، والقائل بالتأثير إنما قال النار تؤثر في إحراق الممسوس لا أن المس هو الذي أثر في الإحراق.

(قوله: وليس معنى هذا الحكم أن النار الخ) أي ليس معنى الحكم بأن النار محرقة إدراك ثبوت الإحراق لها على أنها هي التي أثرت الإحراق لما مسته.

(قوله: وإنما غاية ما دلت عليه العادة الخ) أي إن غاية ما تفيده العادة الاقتران بين النار والإحراق أي حصولها معا على سبيل الاقتران، ولم تفد تأثيرها هي أو غيرها فيه، فتعيين المؤثر في الإحراق لم يستفد من العادة هذا كلامه، وبحث فيه بعضهم بأن الذي يستفاد من العادة هو ثبوت الإحراق للنار، وكون ذلك من حيث إن النار سبب فيه أو مؤثرة فيه شيء آخر، فأهل السنة يقولون بثبوت الإحراق لها من حيث إنها سببٌ، وغيرهم يقول من حيث إنها مؤثرة.

(قوله: الاقتران فقط بين الأمرين) أي الثبوت للأمرين على سبيل الاقتران كما سبق.

(قوله: ولا منها يتلقى الخ) أي أنه لا يتلقى ولا يستفاد علم الفاعل حقيقة من العادة، بل غاية ما يتلقى منها هو ما قدمناه من الاقتران بين الأمرين على ما ذكره.

(قوله: ككون الطعام مشبعا) فيه تسامح لأن الكونية المذكورة ليست حكمًا، فالأولى كإدراك ثبوت الشبع للأكل، والري للماء والإضاءة للشمس والقطع للسكين، فهذه أحكام عادية لأن غاية ما تفيده العادة مقارنة الشبع للأكل والري للماء والاضاءة للشمس ولا تفيد تعيين المؤثر في الشبع هل هو الأكل أو غيره، وكذا يقال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت