يقضي العارف بذكره مرة واحدة ما لا يقضيه غيره إلا في أزمنة متطاولة.
ثم تنبه أيها المؤمن لعظيم رحمة الله تعالى وإنعامه علينا بهذه الكلمة المشرفة التي لا يعلم عامة الناس عظيم قدرها إلا بعد الموت في الآخرة، وهو أن المكلف إنما ينجو من الخلود في النار إذا اتصف في آخر حياته بعقائد الإيمان التي تتعلق بالله تعالى وبرسله عليهم الصلاة والسلام، والغالب عليه في ذلك الوقت الهائل الضعف عن استحضار جميع عقائد الإيمان مفصلة، فعلمه الشرع بمقتضى الفضل العظيم هذه الكلمة السهلة العظمية القدر حتى يذكر بها من غير مشقة تناله في ذلك الوقت الضيق الهائل جميع عقائد الإيمان بلسانه أو بقلبه، واكتفى منه الشرع في هذا الوقت الضيق بمجرد ذكرها مجملة؛ إذ طالما أدارها قبل ذلك على لسانه وقلبه مفصلة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة، وقال صلى الله عليه وسلم من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة، فالأول فيمن يستطيع النطق، والثاني فيمن لا يستطيعه، والله تعالى أعلم.
وكذا له أن يكتفي أيضا في جواب الملكين الكريمين في القبر بمجرد هذه الكلمة المشرفة حيث يمنعه مانع الهيبة والخوف من ذكر عقائد الإيمان لهما مفصلة، وقد ورد أنهما يجتزآن منه بذلك، وكيف لا بجتزآن منه بهذا الجواب العظيم.
وقد ذكر لهما المؤمن في هذه الكلمة مع اختصارها جميع عقائد الإيمان على التمام، فما أوسع كرم مولانا جل وعز على المؤمن وأغزر نعمه، وألطف حكمه، جعلنا الله سبحانه وتعالى ممن عرف قدر نعمه فشكرها، وممن شكرها فَقُبِلَ منه ذلك الشكر، ووجد عظيم بركتها دنيا وأخرى بجاه سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم.
(ص) فعلى العاقل أن يكثر من ذكرها مستحضرا لما احتوت عليه من عقائد الايمان
[حاشية الدسوقي]
(قوله: يقضي العارف) أي: بمعناها المتضمن للعقائد ما لا يقضيه غيره إلا في أزمان، المراد بغيره الذاكر لغير هذه الكلمة من الأذكار، أو المراد بالغير من لا علم له بمعرفة اندراج العقائد تحتها، وقوله: يقضي أي: يحصل، وقوله: بذكره متعلق بيقضي أي: أن العارف بمعنى كلمة الشهادة يحصل من الثواب بذكرها ما لا يحصله غيره إلا في أزمنة متطاولة. (قوله: لعظيم رحمة الله) أي: لرحمة الله العظيمة. (قوله: عامة الناس) أي: غالبهم وهو ما عدا الخواص. (قوله: وهو أن الخ) أي: ووجه كون هذه الكلمة نعمة عظيمة ينبغي التنبه لها أن الشارع اكتفى بها في الوقت المضيق وهو وقت خروج الروح مع كونه مطالبا باستحضار العقائد كلها، فهي نعمة عظيمة من حيث اكتفاؤه بها ولم يطلب من الشخص استحضار العقائد تفصيلا في هذا الوقت المضيق، ومفاد الشارح أنه لا بد في حال الحياة من استحضار العقائد تفصيلا مع الإتيان بهذه الكلمة سواء كان مسلما أو كافرا وأراد الدخول في الإسلام وليس كذلك لأن الكافر يُكتفى منه بالنطق بها ولا يشترط في دخوله في الإسلام استحضاره للعقائد تفصيلا حين الدخول بالكلمة المشرفة. (قوله: إذا اتصف في آخر حياته بعقائد الإيمان) أي: بالتصديق بعقائد الإيمان وملاحظتها. (قوله: الهائل) أي: المخيف. (قوله: فعلمه الشرع) أي: الشارع. (قوله: حتى يذكر بها) في نسخة يتذكر بها، وقوله: جميع مفعول ليذكر، وقوله: بلسانه أي: حالة كون الذكر بها للعقائد بلسانه وقلبه. (قوله: أدارها) أي: كررها. (قوله: ولهذا) أي: لأجل الاكتفاء بها في هذا الوقت المضيق. (قوله: من كان آخر الخ) يعنى: أن الشخص إذا قال لا إله إلا الله ثم لم يتكلم بعد ذلك بكلام أصلا ومات دخل الجنة بدون سابقة عذاب وكان ذكره لها على هذه الحالة كفارة لما صدر منه من العصيان، وقيل: دخل الجنة إما ابتداء أو بعد نفوذ الوعيد. (قوله: فالأول) أي: فالحديث الأول محمول على من يستطيع النطق سواء كان عاصيا أو طائعا، والحديث الثاني محمول على من لا يستطيعه، وقيل: إن قوله من كان آخر كلامه الخ في حق الكافر بطريق الأصالة. (قوله: وكذا له أن يكتفي أيضا) أي: وكذا للشخص أن يكتفي، وقوله: في جواب الملكين أي: في جواب سؤالهما، فإذا قالا له من ربك وما دينك ومن نبيك وأجابهما بلا إله إلا الله محمد رسول الله كفاه ذلك ولا يحتاج لتفصيل العقائد هذا كلامه، واعترض بأن مفاده أن الملكين يسألانه عن العقائد تفصيلا لأنه جعل الإجمال مما يكتفي به، وليس كذلك إذ غاية ما يقولان له في السؤال ما ربك وما دينك ومن نبيك، وهذا سؤال عن العقائد إجمالًا لا تفصيلًا، لأنهما لا يقولان ما قدرته وما إرادته الخ. (قوله: والخوف) عطف لازم على ملزوم، ألا ترى أن الإنسان إذا وقف قدام سلطان حصل له هيبة وخوف، وإذا وقف قدام عفريت مثلا حصل له خوفٌ لا هيبة، والحاصل أنه يلزم من الهيبة الخوف لا العكس، والهيبة حالة تحصل في القلب عند رؤية العظيم، والخوف عبارة عن الفزع. (قوله: وقد ورد أنهما) أي: الملكين. (قوله: وقد ذكر لهما) أي: للملكي. ن (قوله: وأغزر) بالغين المعجمة والراء المهملة من الغزارة وهي الكثرة. (قوله: قدر نعمه) أي: نعم الله. (قوله: بركتها) أي: كلمة الشهادة. (قوله: بجاه) أي: حالة كوننا متوسلين في قبول دعائنا بجاه سيدنا محمد أي بمرتبته عنده. (قوله: فعلى العاقل الخ) قضية التعبير بعلى أن الإكثار من ذكرها واجب مع أنه مندوب