فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 238

أحد الإيمان إلا بها.

(ش) لا شك أنه عليه الصلاة والسلام قد خُصَّ بجوامع الكلم، فتجد تحت كل كلمة من كلماته من الفوائد ما لا ينحصر، فاختار لأمته في ترجمة الإيمان وما يمرحون به في الجنان حيث شاؤا هذه الكلمة المشرفة، السهلة حفظًا وذكرًا، الكثيرة الفوائد علمًا وحسًا، فما تعبوا فيه من تعلم عقائد الإيمان الكثيرة المفصلة جمع لهم ذلك كله في حرز هذه الكلمة المنيع، وتمكنوا من ذكر عقائد الإيمان كلها بذكرٍ واحدٍ خفيفٍ على اللسان، ثقيلٍ في الميزان، ذي قدر لا يحاط به عند المولى الكريم العميم الإحسان، ثم كل عقيدة من عقائد الإيمان لمن عرفها سيف صارم يقطع به ظهر إبليس وأعوانه، ويقذف في القلب نورا ساطعا يكشف عنه ظلمات الأوهام، ويغسل منها أدرانه، فجعل الشرع ذكر هذه الكلمة الخفيفة المشرفة جامعا لسيوف العقائد كلها، محصلة لأنوار المعارف بأجمعها فهو ذكر واحد في اللفظ، وفي الحقيقة هو أذكار كثيرة

[حاشية الدسوقي]

أحد الإيمان) أي: دعوى الإيمان إلَّا بها، فإذا ادعى الإنسان إنه مؤمن فلا تقبل دعواه عند الناس إلَّا إذا أتى بها بناء على أنها شرط لإجراء الأحكام الدنيوية، ويحتمل أن المراد ولا يقبل من أحد الإيمان والتصديق عند الله إلا بها بناء على أن النطق جزء من الإيمان أو شرط في صحته، وعلى هذا فلا يحتاج لتقدير دعوى قبل الإيمان، واعلم أن الإسلام تارة يكون منجيا عند الله وعند الناس وذلك هو الامتثال لما جاء به النبي ظاهرا المقارن للامتثال الباطني الذي هو الإيمان، أعني إذعان النفس وانقيادها وقولها آمنت بذلك ورضيته المعبر عنه بحديث النفس وبالتصديق، وتارة يكون الإسلام منجيا عند الناس فقط وهو الامتثال لما جاء به النبي في الظاهر فقط بأن يتراءى منه أنه مصدق بها كأن يدخل مسجدنا ويجالس المسلمين ويلبس العمامة البيضاء ولا يجحد شيئا مما علم مجيء النبي صلى الله عليه وسلم به ضرورة مع كونه ليس مصدقا بذلك في الباطن. (قوله: إلا بها) يحتمل أن المراد لا بغيرها من نحو: سبحان الله والحمد لله، فلا ينافي أنه لا يشترط في الدخول في الإسلام لفظ أشهد ولا النفي ولا الإثبات ولا الترتيب، فإذا قال الكافر: الله واحد ومحمد رسوله أو قال محمد رسول الله والله واحد كفاه ذلك في الدخول في الإسلام كما هو المعتمد عند المالكية، ويحتمل أن المراد إلَّا بالتلفظ بها على هذه الحالة من الإتيان بأشهد والإتيان بالنفي والإثبات والترتيب كما هو قول بعضهم والخلاف في الدخول بها في الإسلام، وأما في حصول الثواب فلا نزاع في أنه لا يشترط فيه ما ذكر لأن مجرد"الله واحد"ذكر يثاب عليه. (قوله: بجوامع الكلم) الباء داخلة على المقصور عليه، أي: إن النبي مقصور على جوامع الكلم لا يتعداها لغيرها، ويصح جعلها داخلة على المقصور أي: إن جوامع الكلم مقصورة عليه لا تتعداه لغيره، والمراد بجوامع الكلم: الكلم الجوامع أي: التي قل لفظها وكثر معناها، فقوله: كل كلمة الخ تفسير للكلم الجوامع التي قصرت عليه أو قصر عليها. (قوله: في ترجمة الإيمان) أي: في الدلالة عليه. (قوله: وما يمرحون) عطف على الإيمان وقوله هذه الكلمة مفعول اختار أي اختار لأمته هذه الكلمة وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله في الدلالة على الإيمان وعلى ما يمرحون به في الجنان، وعطف ما يمرحون الخ على الإيمان عطف مرادف. (قوله: علما وحسا) أي بالعلم والحس، وأراد بالحس تقرير الأشياخ للتلامذة وأراد بالعلم إدراك العلماء بأذهانهم أي: إن فوائدها التي يدركها العلماء ويقررونها لتلامذتهم كثيرة. (قوله: فما تعبوا) مبتدأ، وقوله جمع لهم ذلك خبر، والرابط الإشارة. (قوله: جمع لهم ذلك) أي: ما ذكر من العقائد التي تعبوا في تعلماها. (قوله: في حرز هذه الكلمة) الإضافة للبيان أو من إضافة المشبه به للمشبه بجامع أن كلا يحفظ ما فيه. (قوله: المنيع) أي: كثير المنع والحفظ لما فيه. (قوله: ذي قدر لا يحاط به) وصف ثالث لذكر، وحاصله أن الكلمة المشرفة لها قدر عند الله تعالى لا قدرة لنا على الإحاطة به وإن كان المولى يحيط به علما. (قوله: لمن عرفها) متعلق بما بعده، أي: سيف قاطع بالنسبة لمن عرفها. (قوله: وأعوانه) أي: أولاده من الشياطين، وهو بالنصب على أنه مفعول معه ليناسب الفقرة الثانية في قوله وأدرانه، ويحتمل أن الأصل وظهر أعوانه فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب انتصابه، ويحتمل أن أعوانه عطف على ظهر أي: ويقطع بها أعوانه، وعلى هذا فيقال ما النكتة في كونه عبر في جانب إبليس بالظهر دون أعوانه ثم إنه ليس المراد بالقطع حقيقته بل المراد شدة إذلال إبليس وأعوانه فهو كناية وليس الكلام على حقيقته. (قوله: نورا ساطعا) أي: معارف قوية. (قوله: يكشف عنه) أي: عن القلب. (قوله: ظلمات الأوهام) أي: الأوهام الشبيهة بالظلمات، أو الإضافة بيانية والمراد بالأوهام آثار القوة الواهمة. (قوله: يغسل منها) أي: من ظلمات الأوهام أدرانه أي: أوساخه أي: ويغسل أوساخ القلب الحاصلة من ظلمات الأوهام. (قوله: جامعا لسيوف العقائد) أي: للعقائد الشبيهة بالسيوف. (قوله: فهو) أي: ذكر هذه الكلمة المشرفة ذكر واحد. (قوله: هو أذكار كثيرة) أي: لاشتمالها على العقائد الكثيرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت