رفق بضعفاء العقول لئلا يعتقدوا فيهم الإلهية بما يرون لهم صلوات الله وسلامه على جميعهم من الخوارق والخواص التي خصهم الله تعالى بها، ولهذا استدل تعالى على النصارى في قولهم بالوهية عيسى وأمه عليهما الصلاة والسلام بافتقارهما إلى الأعراض البشرية من أكل الطعام ونحوه فقال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 72] ، إلى قوله: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} [المائدة: 75] ، فسبحانه ما أعظم لطفه بخلقه، جعلنا الله تعالى ممن علم فعمل، وعمل فأخلص، وأخلص فدام على ذلك إلى الممات، ونجا من كل هول وتخلص. وقوله فقد اتضح لك إلى آخره كلام حق شاهده معه.
(ص) ولعلها لاختصارها مع اشتمالها على ما ذكرناه جعلها الشرع ترجمة على ما في القلب من الإسلام، ولم يقبل من
[حاشية الدسوقي]
(قوله: رفق بضعفاء العقول الخ) وفيها أيضا الرفق بالناس من حيث التسلي بالأنبياء. (قوله: والخواص) عطف تفسير. (قوله: ولهذا) أي: ولأجل كون الأعراض فيها رفق بضعفاء المؤمنين، لئلا يعتقدوا استدلال الخ. (قوله: في قولهم بألوهية عيسى) أي: لكونه حصل على يديه الخوارق من خروجه بدون أب ومن إحيائه الموتى. (قوله: من أكل الطعام الخ) أي: لأنه لو كان إلهًا لكان لا يأكل الطعام، لكن التالي باطل، فإن قلت: لأى شيء كان أكل الطعام ينافي الألوهية مع أنه يحصل به التقوي؟ قلت: لو كان الإله يأكل الطعام لكان محتاجا له، لكن اللازم باطل، ولأن من لوازم اكل الطعام خروج الفضلة المعلومة المنافية للعظمة والكبرياء اللازمين للألوهية، ولذا قيل: ما لابن آدم والفخر وقد خلق من نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة أي منتنة وهو بين الاثنين حامل للعذرة، فكيف يدعى الكبرياء والعظمة مع تلك الحالة. (بقى شيء آخر) وهو أن اعتقاد الألوهية إنما كان في عيسى فقط، وأما أمه مريم فلم يعتقدوا فيها الألوهية فقول الشارح بألوهية عيسى وأمه لا وجه له، قلت: علة اعتقاد ألوهية عيسى موجودة في مريم فهو لازم قولهم بألوهية عيسى وإن لم يصرحوا بذلك، فقد حصل على يديها الخوارق وهو كثرة الرزق من عند الله، ومن إيلادها عيسى بغير زوج كذا قرر شيخنا، وإن ظهر مع قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة: 116] ، فإن هذا يقتضي أن أمه قد اعتقدوا إلهيتها أيضا، فتأمل. (قوله: كانا يأكلان الطعام) هو عند صاحب الكشاف كناية عن لازمه من خروج الفضلة. (قوله: شاهده) أي: دليله معه ودليله هو ما تقدم تقريره في المصنف. (قوله: ولعلها لاختصارها مع اشتمالها على ما ذكرناه) أي: من عقائد الإيمان الواجبة في حق الله، وفي حق رسله. واعلم أن الإيمان والإسلام قيل: إنهما مترادفان معناهما واحد، وهو التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مما علم من الدين بالضرورة، وعليه مشى المصنف، وقيل: وهو المعتمد إنهما متغايران، فالإيمان: هو التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، والإسلام: هو الامتثال الظاهري لذلك، فقول المصنف جعلها الشارح ترجمة على ما في القلب أي دليلا على التصديق القائم بالقلب وهو الإيمان، فالتصديق قلبي والدليل عليه هو الشهادتان، ثم إن المصنف علل كون الشارع جعل كلمتي الشهادة دليلا على الإيمان لكنه ترجى ولم يجزم، فقال: ولعلها لأجل اختصارها مع اشتمالها الخ أي: أترجى أن الشارع جعلها دليلا على الإيمان دون غيرها مما يؤدي معناها لأجل اختصارها مع اشتمالها على العقائد، وإنما ترجى ولم يجزم بذلك لئلا يلزم دعوى علم الغيب لو قطع بذلك، لأن ما ذكره لا يتعين أن يكون الشارع أراده فقط، لجواز إرادة غيره فقط، أو إرادته مع غيره، فلاحتمال ذلك أتى بلعل التي للترجي فهي بمنزلة أظن، وكأنه قال: وأظن أو الظاهر عندي أن الشارع إنما جعلها دليلا على الإيمان لاختصارها مع اشتمالها على العقائد، ويحتمل أن لعل هنا للشك فهي بمنزلة الاحتمال، وكأنه قال يحتمل أن الشارع جعلها دليلا على الإيمان ولم يجعل غيرها مما يؤدي معناها من الكلمات مثلها لأجل اختصارها الخ، ويحتمل أن تكون للتحقيق باعتبار ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من أن من ذكر هذه الكلمة الشريفة دخل الجنة ولا محالة، وإنما أفرد الضمير في قوله ولعلها وما بعده مع أنه عائد على كلمتي الشهادة لتأويلهما بالكلمة فهو من تسمية الشيء باسم جزئه، وإنما أفرد بالتأويل المذكور للتنبيه على ارتباط إحدى الكلمتين بالأخرى في الدلالة على الإيمان وأنه لا يحصل إلا بمجموعهما، ولا ينتفع في الإيمان بإحداهما دون الأخرى. (قوله: جعلها الشرع) أي: صاحب الشرع، أو أراد بالشرع الشارع، وإلا فالشرع هو الأحكام والأحكام لا يتأتى منها جعل. (قوله: على ما في القلب من الإسلام) جعل الإسلام في القلب والحال أن الذي في القلب هو التصديق فيكون الإسلام عبارة عن التصديق القلبي فيكون مرادفا للإيمان وهو قول كما علمت وعلى هذا فتعبير المصنف أولا بالإسلام وثانيا بالإيمان تفنن. (قوله: ولم يقبل من