فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 238

ويؤخذ منه أيضا جواز الأعراض البشرية عليهم التي لا تؤدي إلى نقصٍ في مراتبهم العلية عليهم الصلاة والسلام، إذ ذاك لا يقدح في رسالتهم وعلو منزلتهم عند الله تعالى، بل ذاك مما يزيد فيها، فقد اتضح لك تضمن كلمتي الشهادة مع قلة حروفها لجميع ما يجب على المكلف معرفته من عقائد الإيمان في حقه تعالى وفي حق رسله عليهم الصلاة والسلام.

(ش) لا شك أن عَجُزَ الكلمة المشرفة إنما أثبت له صلى الله عليه وسلم الرسالة لا الألوهية، وفي معناه إثبات الرسالة لإخوانه المرسلين، فلا يمتنع في حقهم عليهم الصلاة والسلام إلا ما يقدح في رتبة الرسالة، ولا خفاء أن تلك الأعراض البشرية من الأمراض ونحوها لا تخل بشيء من مراتب الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، بل هي مما يزيد فيها باعتبار تعظيم أجرهم من جهة ما يقارنهم من طاعة الصبر وغيره، وفيها أيضا أعظم دليل على صدقهم وأنهم مبعوثون من عند الله تعالى، وأن تلك الخوارق التي ظهرت على أيديهم هي بمحض خلق الله تعالى لها تصديقا لهم؛ إذ لو كانت لهم قوة على اختراعها لدفعوا عن أنفسهم ما هو أيسر منها من الأمراض والجوع وألم الحر والبرد ونحو ذلك مما سلم منه كثير ممن لم يتصف بالنبوة، وفيها أيضا

[حاشية الدسوقي]

الرسل والأمانة والتبليغ، وأضدادها ثلاثة، فالجملة عشرة، وسيأتي يقول: ويؤخذ منه جواز الأعراض البشرية، وهذا واحدٌ، وضده وهو استحالة الأوصاف الإلهية واحدٌ، تضمهما للعشرة السابقة فالمجموع اثنا عشر، تضمها للخمسين المأخوذة من لا إله إلا الله فالجملة اثنان وستون اهـ ملوى. (قوله: ويؤخذ منه) أي: من قول محمد رسول الله، وقوله صدق الرسل أي لأنه قد حكم على سيدنا محمد بأنه رسول الله، والرسول لا يكون إلا صادقا وبقية الرسل مثله. (قوله: واستحالة الكذب عليهم) عطف لازم على ملزوم.

والحاصل: أن إثبات الرسالة لهم وإضافتهم إلى الله تثبت صدقهم وعدم كذبهم، وذلك يُثبت أمانتهم، وأمانتهم تثبت عدم تلبسهم بمحرم أو مكروه، ومن جملة المحرم كتمانهم، وإذا استحال الكتمان تعين التبليغ فحصلت المطالب الثلاثة.

(قوله: وإلا لم يكونوا الخ) أي: وإلا يصدقوا لزم أن لا يكونوا رسلًا أمناء، وإن شئت قلت: وإلا يستحل الكذب عليهم لم يكونوا رسلًا أمناء وذلك لأن الله عالم بكل شيء، وقد صدقهم وهو لا يصدق إلَّا من كان صادقا في دعواه للرسالة، ولا يصدق من كان كاذبًا، لأن خبره على وفق علمه، فلو صدق الكاذب مع علمه بأنه كاذب لزم الكذب في خبره تعالى، وذلك باطل.

والحاصل: أنهم لو لم يصدقوا لزم أن لا يكونوا رسلًا، لأن المولى صدقهم وهو لا يصدق إلا من كان رسولا لأن خبره على وفق علمه وإلا لزم الكذب في خبره تعالى. (قوله: واستحالة فعل المنهيات) عبر بذلك ليشمل البرهان الأمانة والتبليغ معًا، لأن ضد كل منهما فعل منهي عنه فكان أخص، وعطفه على ما قبله وهو قوله: واستحالة الكذب عليهم من عطف العام على الخاص لدخول ما قبله فيه، والحاصل أن استحالة فعل المنهيات يستلزم وجوب الأمانة والتبليغ، فعبر باللازم دون الملزوم لأنه أخص. (قوله: وسكوتهم) هو داخل في الفعل ولذا أسقطه في الشرح. (قوله: فيلزم الخ) مفرع على محذوف أي وقد أمرنا الله بالاقتداء بهم فيلزم الخ. (قوله: على سر وحيه) أي: على وحيه السر، أي: الخفي، والمراد بوحيه الأحكام التي جاءت بها الرسل فإنها كانت خفية علينا ولم تظهر إلا على يد الرسل. (قوله: وقد علمت الخ) الأولى أن يقول: وقد صدقهم الله في دعواهم الرسالة وقد علمت الخ. (قوله: من الصدق والأمانة) الأولى الاقتصار على الصدق لأن المولى إنما صدقهم في دعوى الرسالة فتصديق الله لهم إنما يدل على حفظهم من الكذب، وأما الأمانة فدليلها شرعي فلا يؤخذ من تصديق الله لهم, والجواب: أن المراد أمانة مخصوصة وهي الأمانة في الخبر وحينئذ فهي راجعة للصدق لا مطلق الأمانة لأن دليلها شرعي. (قوله: وقد أمرنا بالاقتداء بهم) استدلال على وجوب الأمانة والتبليغ. (قوله: التي لا تؤدي الخ) احتراز من البرص والجذام والمرض المنفر للناس منهم، وما وقع لأيوب لم يكن جذاما. (قوله: إذ ذاك) أي جواز الأعراض البشرية. (قوله: مع قلة حروفها) المناسب حروفهما بالتثنية، والجواب أنه أفرد إشارة إلى أن الكلمتين امتزجتا حتى صارتا كالكلمة الواحدة أو أن إحداهما لا تخرج من الكفر بدون الأخرى، بل لا بد منهما. (قوله: من الأمراض ونحوها) كأذية الخلق. (قوله: من طاعة الصبر) الإضافة للبيان. (قوله الصبر) هو تحمل المشاق. (قوله: وغيره) كالتشريع وتسلية الخلق كما وقع في سهو نبينا فإنه عرض بشري ترتب عليه التشريع. (قوله: وفيها) أي: الأعرض البشرية كالأمراض أعظم دليل على صدقهم وأعظم دليل على أنهم مبعوثون، فإن قلت: ما وجه كون الأعراض أعظم دليل على صدقهم وأنهم رسل، قلت: إن الأمراض تستلزم كونهم ليسوا بآلهة اللازم لقولهم نحن رسل الله فقولهم: نحن رسل الله مستلزم لكونهم ليسوا بآلهة ونزول الأمراض أعظم دليل على كونهم ليسوا بآلهة الذي هو لازم لقولهم: نحن رسل الله فصح كلامه، وحينئذ فقوله وإن تلك الخوارق قريب في المعنى مما قبله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت