التي لا حصر لها، والاقرار بذلك يستلزم التصديق بكل ما جاء به صلى الله عليه وسلم من عند الله، ومن جملة ما أتى به ما ذكرنا هنا، وكذا غير ذلك مما لا ينحصر، كالبعث لعين هذا البدن لا لمثله، وفتنة القبر وعذابه، والصراط والميزان والحوض والشفاعة، ونحو ذلك مما يطول تتبعه، وهو مفصل في الكتاب والسنة، وتآليف علماء الشريعة.
(ص) ويؤخذ منه وجوب صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام، واستحالة الكذب عليهم، وإلا لم يكونوا رُسُلًا أمناء لمولانا العالم بالخفيات جل وعز، واستحالة فعل المنهيات كلها لأنهم عليهم الصلاة والسلام أرسلوا ليعلموا الخلق بأقوالهم وأفعالهم وسكوتهم، فيلزم أن لا يكون في جميعها مخالفة لأمر مولانا جل وعز الذي اختارهم على جميع الخلق، وأمنهم على سِرِّ وَحيه.
(ش) لا شك أن إضافة الرسول إلى الله تعالى تقتضي أنه جل وعز اختاره للرسالة كما اختار إخوانه المرسلين لذلك، وقد علمت أن علمة تعالى محيط بما لا نهاية له، وأن الجهل وما في معناه مستحيل عليه تعالى، فلزم أن تصديقه تعالى لهم مطابق لما علمه تعالى منهم من الصدق والأمانة، فيستحيل أن يكونوا في نفس الأمر على خلاف ما علم الله تعالى منهم، وقد أمرنا بالاقتداء بهم عليهم الصلاة والسلام في أقوالهم وافعالهم، فلزم أن يكون جميعها على وفق ما يرضاه مولانا جل وعز وهو المطلوب،
[حاشية الدسوقي]
مقارنة لدعوى النبوة أم لا. (قوله: التي لا حصر لها) أي: التي لا نقدر على حصرها وعدها وإن كانت محصورة في الواقع ونفس الأمر. (قوله: والإقرار بذلك) أي: برسالته، أي: الإقرار باللسان وهو عطف على التصديق. (قوله: يستلزم التصديق) أي: والإقرار باللسان أيضا، فالتصديق يستلزم التصديق والإقرار يستلزم الإقرار. (قوله: كالبعث لعين هذا البدن لا لمثله) يعني: أن الله تعالى يبعث الخلق بجميع أجزائهم وعوارضهم ويعيدهم، وهل الإعادة عن عدم محض أو تفريق أجزاء فيه خلاف، والصحيح الأول، قال السعد: الذي ندعيه أن معنى الإعادة: أن يوجد الله ذلك الشيء الذي يعاد بجميع أجزائه وعوارضه بحيث يقطع كل من رآه أنه هو ذلك الشيء، كما يقال أعد كلامك أي تلك الحروف بتأليفها وهيئتها، ولا يضر كون هذا معادًا في زمان وذاك مبتدأ في زمان، ولا المناقشة في أن هذا نفس الأول أو مثله، وهذا القدر كاف في إثبات الحشر اهـ. فانظره مع قول المصنف لا لمثله اهـ يس، وقرر شيخنا العدوى ما حاصله: أنه إذا أكل الإنسان حيوانا آخر فحصل للآكل سمن بالمأكول وصار المأكول جزءا من الآكل، فهل أجزاء المأكول تعود في الآكل أو في المأكول أو فيهما، فعودها فيهما معًا لا يعقل، وإن أعيدت في أحدهما دون الآخر لزم أن المعاد ليس جميع الأجزاء، وأجاب: بأن المعاد هو الأجزاء الأصلية التي تبقى على الدوام كالعظم والعروق والعصب، وأما السمن فليس من الأجزاء الأصلية لزواله بالمرض، وحينئذ فأجزاء المأكول تعاد في المأكول لا في الآكل، وحينئذ فالمراد بالعينية الأجزاء الأصلية، وليس المراد الهيكل المخصوص الصادق بهيكل الآكل النامي من أجزاء المأكول، وإلا لزم أن المأكول لم يعد بعينه اهـ (قوله: وفتنة القبر) هي عبارة عن سؤال الميت في القبر عن العقائد فقط، وتعاد الروح للبدن وقت السؤال، قال ابن حجر وظاهر الخبر أنها تحل في نصف الميت الأعلى، وغلط من قال السؤال للبدن بلا روح كما غلظ من قال السؤال للروح بلا بدن، وهي حياة لا تنفي إطلاق اسم الميت على المسؤول لأنها أمر متوسط بين الموت والحياة كتوسط النوم، والسؤال مختص بهذه الأمة كما جزم به ابن عبد البر والترمذي خلافا لابن القيم، وهل هو مرة واحدة أو ثلاث؟ جزم السيوطي في رسالة له بأن المؤمن يسئل سبعًا، والكافر أربعين صباحا، وقال: لم أقف على تعيين وقت السؤال في غير يوم الدفن. (قوله: وعذابه) أي: بدليل قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [غافر: 46] ، ولا يمتنع عند العقل أن الله يعيد الحياة للجسم أو في جزء منه ويعذب، والقول بأن المعذب الجسم، ولا يشترط إعادة الروح فيه، وأن الله يخلق فيه إدراكًا فاسدً، لأن الألم والإحساس إنما يكون في الحي. (قوله: والصراط) هو جسر ممدود على متن جهنم أرق من الشعرة وأحد من السيف كما يفيد ذلك الأحاديث الصحيحة، وأبقاها أهل السنة على ظاهرها وأنكر هذا الظاهر القاضي عبد الجبار المعتزلي وأتباعه. (قوله: والميزان) قال اللقاني: لم أقف على ماهية جرم الميزان من أي الجواهر كما لم أقف على أنه موجود الآن أو سيوجد. (قوله: والحوض) أي: حوض النبي صلى الله عليه وسلم الذي يعطاه في الآخرة، قال القرطبي: يكون وجوده في الأرض المبدلة ولم ينعقد الإجماع على ثبوت الحوض، فقد خالف فيه المعتزلة لأنه لم يثبت بالقرآن إلا احتمالًا، وأما إنا أعطيناك الكوثر ففيه خلاف، والمختار أن المراد به الخير الكثير. (قوله: والشفاعة) أي شفاعته صلى الله عليه وسلم في فصل القضاء وهي أعظم شفاعاته صلى الله عليه وسلم الخمس، وهذه الشفاعة مختصة به لا يشاركه فيها غيره. (قوله: ويؤخذ منه وجوب صدق الرسل) قد تقدم استلزام هذه الجملة أعني محمد رسول الله لأربعة أمور: الإيمان بسائر الأنبياء والملائكة والكتب السماوية واليوم الآخر، وذكر هنا أنه يؤخذ منها ثلاثة: وجوب صدق