وأما الجهل المراكب فهو مما ابتلى به كثير فتجدهم يعتقدون الشيء على خلاف ما هو عليه، وذلك جهل، ثم يجهلون أنهم جاهلون وذلك جهل آخر، ولذلك سمي جهلًا مركبًا كاعتقاد الفلاسفة التأثير للأفلاك، واعتقادهم قدمها، وهذه جهالة عظيمة، ثم هم جاهلون بهذا الجهل منهم، ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكذبون.
والتسمك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب والسنة من غير بصيرة في العقل هو أصل ضلالة الحشوية، فقالوا بالتشبيه والتجسيم والجهة عملا بظاهر قوله تعالى: {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16] ، {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] ، ونحو ذلك، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] ، اللهم اكتبانا في زمرة أوليائك الناجين من كل فتنة دنيا وأخرى يا أرحم الراحمين.
(ص) فقد بان لك تضمن قول لا إله إلا الله للأقسام الثلاثة التي يجب على المكلف معرفتها في حق مولانا جل وعز، وهي ما يجب في حقه تعالى وما يستحيل وما يجوز.
(ش) لا خفاء في صدق ما ذكر وتتبع كلامه بالاستقراء يشهد له، وليس الخبر كالعيان.
(ص) وأما قولنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخل فيه الإيمان بسائر الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام، والكتب السماوية، واليوم الآخر، لأنه عليه الصلاة والسلام جاء بتصديق جميع ذلك.
(ش) لا شك أن تصديق سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم في رسالته بحسب ما دلت عليه معجزاته
[حاشية الدسوقي]
(قوله: وأما الجهل المركب الخ) ظاهر الشارح إنه مركب حقيقة من جهلين: الأول: اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه، والثاني: جهل المعتقد أنه جاهل، والتحقيق: أن الجهل المركب أمر واحد وجودي وهو اعتقادك الشيء على خلاف ما هو عليه، وإنما سمي ذلك مركباُ لاستلزمه جهلين بسيطين أحدهما: انتفاء علمك بالشيء، والثاني: انتفاء علمك بأنك مخطئ في اعتقادك، وليست حقيقته التي هي اعتقادك الشيء على خلاف ما هو عليه أحد الجهلين الحاصل بهما التركيب كما هو ظاهر الشارح.
(قوله: التأثير للأفلاك) أي للأمور الفلكية كالعقول والكواكب. (قوله: من غير بصيرة في العقل) أي: من غير تبصر ونظر في الدليل العقلي. (قوله: الحشوية) سموا بذلك لقول الحسن البصري فيهم: ردوهم إلى حشى الحلقة أي جانبها كما مر. (قوله: فقالوا بالتشبيه والتجسيم) أصلهما اعتقاد الشبه والجسمية، والمراد بهما هنا: نفس الجسمية والشبه، وذلك لأنهم قالوا: أن المولى جسم ثم افترقوا فرقتين، فقالت فرقة: الله جسم كالأجسام، ولا شك في كفر هؤلاء، وقالت الفرقة الأخرى: إنه جسم لا كالأجسام، وفي كفر هؤلاء خلاف، والراجح عدم كفرهم، والاعتقاد المنجي الصحيح: اعتقاد أن الله تعالى ليس بجسم أصلًا ولا يعلم ذاته سبحانه إلا هو، واعلم أن التجسيم لازم للتشبيه، فعطفه عليه من عطف اللازم على الملزوم. (قوله: والجهة) أي: إنهم قالوا: إن الله تعالى في جهة، ثم اختلف الجهوية القائلون إنه في جهة فقال بعضهم: إنه في جهة السماء وهؤلاء في كفرهم قولان، وقال بعضهم: إنه في جهة غير جهة العلو، وهؤلاء كفارٌ اتفاقا. (قوله: محكمات) أي: لا اشتباه في معناها. (قوله: وأخر متشابهات) أي: في معناها اشتباه والتباس بحسب الظاهر منها. (قوله: فيتبعون ما تشابه منه) أي: يعتقدون ظواهره ويتمسكون به. (قوله: ابتغاء الفتنة) أي: طلبا لها. (قوله: وابتغاء تأويله) أي: وطلبا لتأويله لأجل نفي تعجيز المؤول. (قوله: تضمن قول لا إله إلَّا الله) أي: استلزام معنى قول: لا إله إلَّا الله، أو أراد بالتضمن معناه اللغوى وهو إفهام الكلمة معنى لا المنطقي. (قوله: بالاستقراء) تصوير للتتبع أي: المصور ذلك التتبع بالاستقراء، لكن أنت خبير بأن التتبع أوضح من الاستقراء فكان المناسب أن يقول واستقراء كلامه بالتتبع يشهد له. (قوله: وليس الخبر) أي: ليس الإخبار بقوله: فقد بان الخ. (قوله: كالعيان) بكسر العين أي: كالمعاينة الحاصلة بتتبع كلامه سابقا في قوله أما استغناؤه عن كل ما سواه فيوجب له كذا، وأما افتقار ما سواه إليه فيوجب له كذا. (قوله: بسائر الأنبياء) أي: بباقيهم، والمراد بالإيمان بالأنبياء الإيمان بوجودهم، والمعتمد أنه لا يعلم عددهم إلا الله، وحينئذ فكل من ذكر منهم باسمه العلم في القرآن وجب الإيمان به تفصيلًا، وغيرهم يجب الإيمان بهم إجمالا. (قوله: والملائكة) هم أجسام نورانية أي: مخلوقة من النور لا يأكلون ولا يشربون دأبهم الطاعات ومسكنهم السموات. (قوله: والكتب السماوية) أي: المنسوبة للسماء لأنها جاءت من جهتها، أو المنسوبة للسمو وهو العلو والأول أظهر. (قوله: واليوم الآخر) مبدؤه من النفخة الثانية وهي نفخة البعث باتفاق، واختلف في آخره فقيل: لا آخر له فعليه اليوم الآخر من النفخة الثانية إلى ما لا نهاية له، وقيل: إلى دخول أهل الجنة الجنة وإلى دخول أهل النار النار، قيل: سمى بذلك لأنه آخر الأوقات المحدودة وقيل: لأنه آخر أيام الدنيا، قاله يس. (قوله: جاء بتصديق جميع ذلك) أي: جاء بطلب أو بوجوب التصديق بجميع ذلك كله، أو المراد بالتصديق الصدق. (قوله: بحسب ما دلت عيه معجزاته) متعلق بتصديق، فالمعجزات دالة على صدقه، والمراد بمعجزاته: الخوارق التي أجراها الله على يديه سواء كانت