فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 238

وما تقرر في فني العربية والبيان من ضوابط وأصول.

فالإيجاب الذاتي هو أصل كفر الفلاسفة حيث جعلوا الذات العلية فاعلة بمقتضى الإيجاب الذاتي، أي هي علة للممكن المستند إليها من غير اختيار، فقالو لأجل ذلك بنفي القدرة والإرادة وسائر الصفات؛ تعالى الله عن قولهم علوا كبيرًا، وقالوا لأجل ذلك بقدم العالم وألغوا البرهان القطعي الدال على حدوثه، ولا خفاء أنك إذا تحققت بما سبق من وجوب الحدوث للعالم ووجوب القدم والبقاء لمولانا جل وعز عرفت قطعًا أن صدور العالم عنه تعالى إنما هو بمحض الاختيار لا بالإيجاب والتعليل، وإلا كان العالم قديما أو فاعله حادثًا لوجوب مقارنة المعلول لعلته، وكلا الأمرين مستحيل قطعا.

والتحسين العقلي هو أصل كفر البراهمة من الفلاسفة حتى نفوا النبوات، وأصل ضلالة المعتزلة حتى أوجبوا على الله تعالى مراعاة الصلاح والأصلح لخلقه، وعللوا أفعاله وأحكامه بالأغراض، وجعلوا العقل يتوصل وحده دون شرع إلى أحكام الله تعالى الشرعية، إلى غير ذلك من الضلالات.

والتقليد الرديء هو أصل كفر عبدة الأوثان وغيرهم حتى {قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 22] ، ولهذا قال المحققون: لا يكفي التقليد في عقائد الإيمان، قال بعض المشايخ: لا فرق بين مقلد ينقاد، وبهيمة تقاد.

والربط العادي هو أصل كفر الطبائعين ومن تبعهم من جهلة المؤمنين، فرأوا ارتباط الشبع بالأكل، والري بالماء، وستر العورة بالثوب، والضوء بالشمس ونحو ذلك مما لا ينحصر، ففهموا من جهلهم أن تلك الأشياء هي المؤثرة فيما ارتبط وجوده معها، إما بطبعها أو بقوة وضعها الله فيها، وأهل السنة رضي الله تعالى عنهم نور الله تعالى بصائرهم لم يفتتنوا بشيء من الأكوان، وكوشفوا بالحقائق على ما هي عليه في نفس الأمر، وهذه هي المكاشفة التي يخص الله تعالى بها أولياءه حتى ينجيهم من آفات الكفر والبدع في أصول العقائد، وأما المكاشفة بغير هذا فهي مما لا يلتفت إليه الموفقون.

[حاشية الدسوقي]

لقيامه به لا لكونه خالقا له، فكذلك إسناد الفعل للعبد في الكتاب أو السنة إنما هو (1) لكونه خالقا له. (قوله: وما تقرر) عطف على أساليب أي: وعدم الارتباط بما تقرر. (قوله: وأصول) عطف مرادف وهي القواعد المقررة في البيان، كقولهم الحقيقة إسناد الشيء لمن قام به، ولم يقولوا إسناده لخالقه. (قوله: بقدم العالم) أي: على تفصيل عندهم هو: أن العقول والأفلاك وأنواعا غيرها قديمة، وأما أشخاص ذلك الغير فحادثة عندهم. (قوله: لا بالإيجاب والتعليل) عطف مرادف. (قوله: البراهمة) نسبة لبرهام صنم كان في اليمن يعبدونه. (قوله: حتى نفوا النبوات) فقالوا: إن المولى لم يرسل رسولا لأن العقل يغني عنه، فما حسنه العقل أي: فما أدرك حسنه فهو حسن وما قبحه فهو قبيح، فالرسالة مستحيلة لأنها عبث، وعلى كلامهم فالقرآن وغيره من الكتب السماوية ليست من عند الله. (قوله: حتى أوجبوا على الله تعالى مراعاة الصلاح والأصلح) أي: لإدراك العقل حسنهما، وأما ضدهما فهو محال على الله لقبحه عقلا والمولى لا يجوز أن يفعل القبيح. (قوله: بالأغراض) فقالوا: إنه تعالى لا يفعل فعلا ولا يحكم بحكم إلا لغرض باعث له على ذلك لأن الفعل الخالي عن الغرض يعده العقل عبثا. (قوله: وجعلوا العقل الخ) أي: أنهم قالوا: إن العقل إذا خلى ونفسه أدرك الأحكام الشرعية، لأن ما أدرك حسنه فهو إما واجب إن كان الحسن عظيما، وإما مندوب إن كان الحسن غير عظيم، وما أدرك قبحه فهو إما حرام إن كان قبحه عظيما، وإما مكروه إن كان قبحه غير عظيم، وما لم يدرك العقل فيه حسنا ولا قبحا فهو مباح، ويقولون: إن الرسل مؤكدة للعقل، فهم وإن قالوا بالتحسين العقلي كالبراهمة لكن لا ينفون بعثة الرسل كالبراهمة. (قوله: إلى غير ذلك) أي وذهبوا إلى غير ذلك من الضلالات.

(قوله: ولهذا قال المحققون لا يكفي التقليد في عقائد الإيمان) هذا يقتضي أن وصف التقليد بالرداءة وصف كاشف والمعول عليه أن المقلد في عقائد الإيمان عاص فقط إن كان فيه أهلية للنظر؛ وقلد وترك النظر، وليس كافرًا، وإن كان ليس فيه أهلية للنظر فليس عاصيا، وعلى هذا فالوصف بالرداءة مخصص احترز به عن غير الرديء، وهو التقليد في الأمر المطابق. (قوله: ولم يفتتنوا بشيء من الأكوان) أي: بشيء من المكونات، أي الموجودات العادية أي: أنهم لم يفتتنوا بمقارنة النار للاحراق مثلا بل أسندوا التأثير في الإحراق لله، وأما غيرهم فافتتن بالموجودات فأسندوا التأثير في الإحراق للنار وهكذا، (قوله: وكوشفوا بالحقائق) أي: وكشف لهم عن الحقائق، وقوله: على ما هي عليه الخ بدل اشتمال أي: أنهم كشف لهم عن النار مثلا في نفس الأمر فرأوها لا تؤثر شيئا والمؤثر في الإحراق إنما هو الله، وكذا يقال في غير النار من بقية الأسباب. (قوله: وهذه هي المكاشفة) أي: الإدراك لحقائق الأمور على ما هي عليه في الواقع. (قوله: من آفات الكفر) الإضافة للبيان. (قوله: وأما المكاشفة بغير هذا) كالكشف لبعض الأولياء أن فلانا أو القوم الفلانيين يحصل لهم كذا في شهر كذا وفي يوم كذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قول المحشي إنما هو لكونه خالقاله لعل الصواب إنما هو لكسب العبد لا لكونه خالقا له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت