فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 238

وبهذا يبطل مذهب القدرية القائلين بتأثير القدرة الحادثة في الأفعال مباشرة أو تولدًا، ويبطل مذهب الفلاسفة القائلين بتأثير الأفلاك والعلل، ويبطل مذهب الطبائعيين القائلين بتأثير الطبائع والأمزجة ونحوها ككون الطعام يشبع والماء يروى وينبت ويطهر وينظف، والنار تحرق، والثوب يستر العورة ويقي الحر والبرد ونحو ذلك مما لا ينحصر، وهم في اعتقادهم التأثير لتلك الأمور مختلفون، فمنهم من يعتقد أن تلك الأمور تؤثر في تلك الأشياء التي تقارنها بطبعها وحقيقتها، قال ابن دهاق: ولا خلاف في كفر من يعتقد هذا، ومنهم من يعتقد أن تلك الأمور لا تؤثر بطبعها بل بقوة أودعها الله تعالى فيها، ولو نزعها منها لم تؤثر، قال ابن دهاق: وقد تبع الفيلسوفي على هذا الاعتقاد كثير من عامة المؤمنين، ولا خلاف في بدعة من اعتقد هذا، وقد اختلف في كفره، والمؤمن المحقق الإيمان من لم يسند لها تأثيرًا البتة لا بطبعها ولا بقوة وضعت فيها، وإنما يعتقد أن مولانا جل وعلا قد أجرى العادة بمحض اختياره أن يخلق تلك الأشياء عندها لا بها ولا فيها، فهذا بفضل الله تعالى ينجو من أهوال الآخرة، وأكثر ما اغتر به المبتدعة العوائد التي أجراها جل وعلا، وظواهر من الكتاب والسنة لم يحيطوا بعلمها.

والحاصل أن عمدتهم العظمى التقليد لما لا يصلح تقليده، ولا الاقتداء به من عوائد وغيرها، وتركوا الأنظار الزكية العقلية المستضيئة بأنوار الكتاب والسنة، ولهذا قيل إن أصول الكفر ستةٌ: الإيجاب الذاتي، والتحسين العقلي، والتقليد الرديء، والربط العادي، والجهل المركب، والتمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب والسنة من غير عرضها على البراهين العقلية والقواطع الشرعية للجهل بأدلة العقول وعدم الارتباط بأساليب العرب.

[حاشية الدسوقي]

الافتقار كما علمت. (قوله: بهذا) أي: بافتقار كل ما سواه إليه غاية الافتقار يبطل الخ فكان الأولى أخذ بطلان مذهبهم من استغنائه تعالى عن كل ما سواه لأنه من باب التأثير بالقوة كما علمت. (قوله: بتأثير الأفلاك) أي: بتأثير عقول الأفلاك، أو أنه أراد بالأفلاك الأمور الفلكية التي لها تعلق بالأفلاك فيشمل العقول والكواكب، لأنهم يقولون: إن الشمس تؤثر بذاتها في اصفرار البطيخ والقمر يؤثر في حلاوته والشمس تؤثر في حلاوة الفاكهة. (قوله: والعلل) أي: وبتأثير العلل كتأثير حركة اليد في حركة المفتاح وفي حركة الخاتم، وعطف العلل على ما قبله عطف عام لأن تأثير الفلكيات من باب التأثير بالعلة كما تقدم. (قوله: والأمزجة) عطف تفسير: واعلم أن تأثير الطبيعة يتوقف على وجود شروط وانتفاء، موانع وأما التأثير بالعلة عند القائل به لا يتوقف على ذلك. (قوله: ونحوها) الأولى حذفه لأنه لم يبق شيء. (قوله: وهم في اعتقادهم الخ) أي: والطبائعيون مختلفون في اعتقادهم التأثير لتلك الأشياء، هذا ظاهره، وفيه نظر، لأن فيه تقسيم الشيء إلى نفسه وإلى غيره لأن من الطبائعيين من يعتقد التأثير بالطبع والحقيقة فقط، فلعل الأولى ترجيع الضمير للعقلاء من حيث هم لا يفيد من تقدم. (قوله: وحقيقتها) عطف مرادف (قوله: الفيلسوفي) هو كافر لا بهذا الاعتبار فلا يلزم عليه كفر عامة المؤمنين. (قوله: العوائد الخ) أي: كجري العادة أن النار إذا وضعت على الحطب أحرقته، وإذا بعدت عنه لم تحرقه، فهذه العادة تدل على أن النار مؤثرة. (قوله: وظواهر من الكتاب والسنة) عطف على العوائد، وقوله: لم يحيطوا بعلمها صفة لظواهر، وحاصله أن المعتزلة اغتروا بظواهر من الكتاب والسنة كقوله من عمل صالحا، ومن يعمل سوءا، فأسند العمل للعبد، فيدل على أنه الخالق لفعل نفسه، ولذلك ترتب الحد عليه فما ترتب القتل على القاتل إلا لكونه خالقا لفعل نفسه، لأنه لو كان المولى خالقا لفعله لما ترتب عليه الحد بالقتل أو بغيره كذا قال المعتزلة، ورد عليهم أهل السنة بأن إسناد الفعل للعبد وترتب الحد عليه من جهة كسبه له، والمولى يفعل ما يشاء ولا يسئل عما يفعل. (قوله: ولا الاقتداء به) أي: ولا يصلح الاقتداء به، فهو عطف على تقليده. (قوله: من عوائد وغيرها) بيان لما لا يصلح تقليده، والمراد بغير العوائد بعض الظواهر من الكتاب والسنة كما مر. (قوله: وتركوا الأنظار الزكية) أي: كقولك لو كانت النار مثلا ًتؤثر بقوة لكان المولى مفتقرًا في إيجاد الإحراق لتلك القوة، لكن التالي باطل فكذا المقدم. (قوله: ولهذا) أي: لأجل كون التمسك بالعادة والظواهر اغترارا. (قوله: أصول الكفر) أي: الأسباب المحصلة له. (قوله: الإيجاب الذاتي) هو: إسناد الكائنات إليه تعالى على سبيل التعليل والطبع من غير اختيار. (قوله: والتحسين العقلي) هو كون أفعاله تعالى موقوفة على الأغراض وهي جلب المصالح ودرء المفاسد. (قوله: والتقليد الرديء) هو: متابعة الغير لأجل الحمية والتعصب من غير طلب للحق. (قوله: والربط العادي) هو: ثبوت التلازم بين أمر وأمر وجودًا وعدمًا بواسطة التكرار. (قوله: والجهل المركب) بأن يجهل الحق ويجهل جهله به. (قوله: بأساليب العرب) جمع أسلوب بمعنى طريقة، من إسنادهم الفعل لمن قام به لا لخالقه فيقولون: مات زيدٌ، فقد أسندوا الموت لزيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت