وهو جل وعز الذي يجب أن يفتقر إليه كل ما سواه.
(ش) قد عرفت بالبرهان فيما سبق أن ما ثبت قدمه استحال عدمه، فلو كان شيء من العالم قديما لكان ذلك الشيء واجب الوجود لا يقبل العدم أصلًا لا سابقًا ولا لاحقًا، وإذا كان لا يقبل العدم لم يفتقر إلى مخصص كيف وكل ما سواه تعالى مفتقر إليه غاية الافتقار ابتداءً ودوامًا، فوجب إذًا الحدوث لكل ما سواه جل وعلا.
(ص) ويؤخذ منه أيضا أنه لا تأثير لشيء من الكائنات في أثر ما، وإلا لزم أن يستغني ذلك الأثر عن مولانا جل وعز، كيف وهو الذي يفتقر إليه كل ما سواه عمومًا وعلى كل حال، هذا إن قدرت أن شيئا من الكائنات يؤثر بطبعه، وأما إن قدرته مؤثرا بقوة جعلها الله تعالى فيه كما يزعمه كثير من الجهلة فذلك محال أيضا لأنه يصير حينئذ مولانا جل وعز مفتقرا في إيجاد بعض الأفعال إلى واسطة، وذلك باطل لما عرفت قبل من وجوب استغنائه جل وعز عن كل ما سواه.
(ش) لا شك أنه لو خرج عن قدرته تعالى ممكن ما لم يكن ذلك الممكن مفتقرا إليه تعالى، بل إنما يفتقر لمن أوجده كيف وكل ما سواه مفتقر إليه غاية الافتقار،
[حاشية الدسوقي]
أن الافتقار العام إليه تعالى يستلزم حدوث العالم، وقد علمت من هذا التقرير أن المصنف أشار لقياس واحد. (قوله: وهو جل وعز الذي يجب الخ) إنما زاد هنا يجب دون سائر المواضع لوجود الخلاف هنا، فرد بذلك على المخالف. (قوله: قد عرفت بالبرهان فيما سبق) أي: المذكور فيما سبق، ومراده بذلك البرهان المذكور فيما سبق برهان البقاء. (قوله: أن ما ثبت قدمه استحال عدمه) أي: فالمقدم مستلزم للبقاء، وذلك لأن ما ثبت قدمه لو لحقه العدم لكان ممكنا، ولو كان ممكنا كان وجوده عن عدم، وذلك معنى الحدوث، لكن الحدوث في حق القديم محال، فإمكانه محال كذلك، فلحوق العدم له محال، فينتج: أن القديم لا يلحقه عدم وهو أيضا لا يسبقه إذ لو سبقه العدم لكان حادثا وما كان قديما. (قوله: فلو كان شيء من العالم الخ) قد أشار لقياسين وتقريرهما: لو كان شيء من العالم قديما لكان واجب الوجود، لكن التالي باطل لأنه لو كان شيء من العالم واجب الوجود لكان غير مفتقر إلى مخصص، لكن التالي باطل لأن كل ما سواه مفتقر إليه غاية الافتقار، وتقدم أن المصنف قد ذكر قياسا واحدًا، وما سلكه المصنف في المتن أقرب. (قوله: ويؤخذ منه) أي: من افتقار كل ما سواه إليه، وقوله: أيضا أي: كما يؤخذ من استغنائه تعالى عن كل ما سواه. (قوله: من الكائنات) جمع كائنة وهي ذوات الموجودات، والمراد بها ما لا يعقل من الأسباب العادية، فالنار مثلا لا تؤثر في الإحراق وإلا كان الإحراق مستغنيا عنه تعالى، وكذلك السكين لا تؤثر في القطع بذاتها وإلا كان ذلك القطع مستغنيا عنه تعالى، لأن الأثر إنما يفتقر لمؤثره وهو غير الله وهكذا. (قوله: وإلَّا لزم الخ) أي: وإلَّا يكن ذلك، أي عدم تأثير شيء من الكائنات بأن كان لها تأثير في شيء كتأثير النار في الإحراق والسكين في القطع، وقوله: لزم أن يستغني ذلك الأثر أي: الذي هو الإحراق والقطع مثلا، وقوله: وإلا لزم الخ إشارة لقياس استثنائي تقريره: لو كان لشيء من الكائنات تأثير في أثر ما لزم استغناء ذلك الأثر عن مولانا جل وعز، لكن التالي وهو استغناء أثر من الآثار عن مولانا جل وعلا باطل، فبطل المقدم وهو أن يكون لشيء من الكائنات تأثير في أثر، وثبت نقيضه وهو أنه لا تأثير لشيء من الكائنات في أثر، وقوله: كيف إشارة للاستثنائية أي: كيف يستغني ذلك الأثر عن مولانا أي: لا يصح ذلك، وقوله: وهو الذي الخ دليل للاستثنائية. (قوله: عموما وعلى كل حال) حالان مما سواه، أي: حالة كون ما سواه عاما أو ذا عموم، وأراد بقوله: عموما أي: في الذات وعلى كل حال في الصفات فكأنه قال: وهو الذي يفتقر إليه كل ما سواه من الذوات والصفات، أو عموما فيما كان سببا عاديا لوجود غيره كالطعام والنار وعلى كل حال فيما ليس كذلك كالسموات والأرضين، أو المراد في الوجود والعدم، أو ابتداء وإنتهاء. (قوله: هذا) أي: أخذ عدم تأثير شيء من الكائنات في أُثر ما من افتقار كل ما سواه إليه إن قدرت أن شيئا الخ أما إن لاحظت أن تأثيرها بقوةٍ كان مأخوذا من الطرف الأول وهو الاستغناء عن كل ما سواه. (قوله: لأنه يصير حينئذ مولانا مفتقرا الخ) أي فالأخذ على هذا من استغنائه عن كل ما سواه لا من افتقار كل ما سواه إليه، والحاصل أن الفرق ثلاثة: فرقة أهل السنة القائلة المؤثر هو الله عند وجود الأسباب لا أن التأثير بها بذاتها ولا بقوة أودعت فيها، وفرقة كفار وهم القائلون بتأثير الأسباب بذاتها، وهؤلاء يؤخذ الرد عيهم من الطرف الثاني وهو افتقار كل ما سواه إليه، وفرقة مؤمنة على المعتمد وهي القائلة: إن الأسباب العادية تؤثر بقوة أودعت فيها، ويؤخذ الرد عليهم من الطرف الأول وهو استغناؤه عن كل ما سواه، ومن الفرقة القائلة بالتأثير بقوة من يقول: إن العبد يؤثر في أفعاله الاختيارية بواسطة القدرة التي خلقها المولى فيه، فالمعتزلة وهم القدرية عصاة على المعتمد، فقول الشارح: وبهذا يبطل مذهب القدرية أي: المعتزلة، الأولى أن يأخذه من الاستغناء لا من