وقد حمل الجمهور الأوامر في هذه الأحاديث على الندب؛ لأن الأمر فيها جاء بعد الحظر فيحمل على الندب أو الإباحة.
قال الحافظ ابن عبد البر: [وأما قوله: (فكلوا وتصدقوا وادخروا) فكلام خرج بلفظ الأمر، ومعناه الإباحة لأنه أمر ورد بعد نهي، وهكذا شأن كل أمر يرد بعد حظر أنه إباحة لا إيجاب] [1] .
وأما مقدار الأكل فقال الحنفية والحنابلة: يأكل ثلثها ويهدي ثلثها ويتصدق بثلثها.
ولو أكل أكثر من الثلث جاز [2] .
وجاء عن الشافعي أنه يستحب قسمتها أثلاثاً لقوله: (كلوا وتصدقوا وأطعموا) [3] .
واحتج ابن قدامة بما ورد عن ابن عباس في صفة أضحية النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السؤَّال بالثلث] رواه الحافظ
أبو موسى الأصفهاني في الوظائف، وقال: حديث حسن [4] .
وقالوا لأنه قول ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما، ولم نعرف لهما مخالفاً من الصحابة، فكان إجماعاً كما قال ابن قدامة [5] .
ومن أهل العلم من استحب أن يأكل نصفاً ويطعم نصفاً [6] ، لقول الله تعالى في الهدايا
وأما الإمام مالك فلم يحد في ذلك شيئاً ويقول: يأكل ويتصدق.
والدليل على أنه لا تحديد في المسألة، بل الأمر على الاستحباب، حديث ثوبان - رضي الله عنه - قال:
(ذبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحيته ثم قال: يا ثوبان أصلح لحم هذه الأضحية. قال: فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة) وقد سبق [7] .
(1) الاستذكار 15/ 173.
(2) المجموع 8/ 415، المغني 9/ 448، بدائع الصنائع 4/ 223، الحاوي 15/ 117، فتح الباري 12/ 123.
(3) فتح الباري 12/ 123.
(4) المغني 9/ 448 - 449.
(5) المصدر السابق 9/ 449.
(6) فتح الباري 12/ 123.
(7) الاستذكار 15/ 174، الشرح الكبير 2/ 122.