فهرس الكتاب

الصفحة 537 من 847

قال العلماء: وهذا إشارة إلى عظم منزلة سعد في الجنة، وأن أدنى ثيابه فيها خير من هذه؛ لأن المنديل أدنى الثياب؛ لأنه معد للوسخ والامتهان، فغيره أفضل. اهـ.

وأخرج ابن سعد وأبو نعيم، من طريق محمد بن المنكدر عن محمد بن شرحبيل بن حسنة قال: قبض إنسان يومئذ بيده من تراب قبره قبضة فذهب بها، ثم نظر إليها بعد ذلك فإذا هي مسك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سبحان الله، سبحان الله"، حتى عرف ذلك في وجهه، فقال:"الحمد لله، لو كان أحد ناجيا من ضمة القبر لنجا منها سعد، ضم ضمة ثم فرج الله عنه".

وأخرج ابن سعد عن أبي سعيد الخدري قال: كنت ممن حفر لسعد قبره، فكان يفوح علينا المسك كلما حفرنا.

قال الحافظ مغلطاي وغيره: وفي هذه السنة فرض الحج. وقيل: سنة ست وصححه غير واحد، وهو قول الجمهور.

وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة ثمان ورجحه جماعة من العلماء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"قال العلماء: وهذ"الحديث"إشارة إلى عظم منزلة سعد في الجنة، وأن"بفتح الهمزة عطفا على المجرور"أدنى"أقل"ثيابه فيها خير من هذه"الحلة،"لأن المنديل أدنى الثياب؛ لأنه معد للوسخ والامتهان"فيمسح به الأيدي، وينفض به الغبار عن البدن، ويغطى به ما يهدى ويتخذ لفافا للثياب،"فغيره أفضل"؛ لأن سبيله سبيل الخادم، وسائر الثياب سبيل المخدوم، فإذا كان أدناها أفضل من حلة الملوك، فما ظنك بأعلاها.

"وأخرج ابن سعد، وأبو نعيم من طريق محمد بن المنكدر"بن عبد الله التيمي المدني، الفاضل الثقة، المتوفى سنة ثلاثين ومائة، أو بعدها"عن محمد بن شرحبيل"بضم أوله، وفتح الراء وسكون المهملة.

قال في الإصابة في القسم الرابع، فيمن ذكر في الصحابة غلطا محمد بن شرحبيل من بني عبد الدار، ذكره ابن منده، وقال: أورده البخاري في الوحدان، ولا يعرف له صحبة، إنما روايته عن أبي هريرة.

ثم روى ابن منده عن ابن المنكدر، عنه قال: أخذت قبضة من تراب قبر سعد بن معاذ، فوجدت منه ريح المسك.

وقال أبو نعيم: هو محمود بن شرحبيل، قلت: ليس فيه إنه صحابي؛ لأن شم تراب القبر يتأتى لمن تراخى زمانه بعد الصحابة، ومن بعدهم.

وفي التابعين محمد بن ثابت بن شرحبيل من بني عبد الدار، فلعله هذا نسب لجده اهـ.

وفي تقريبه محمد بن ثابت، ويقال ابن عبد الرحمن بن شرحبيل العبدري، أبو مصعب الحجازي، وقد ينسب إلى جده مقبول.

روى له البخاري في الأدب المفرد، وقوله"ابن حسنة"لا يصح؛ لأنها أم الصحابي الجليل شرحبيل بن عبد الله بن المطاع الكندي، التي ربته كما في التقريب، وليس أبا لمحمد هذا؛ لأنه عبدري وشرحبيل كندي، والحديث مرسل؛ لأنه تابعي، فلم يشهد ما حدث به، حيث"قال: قبض إنسان يومئذ"أي: يوم موت سعد، "بيده من تراب قبره قبضة فذهب بها، ثم نظر إليها بعد ذلك، فإذا هي مسك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سبحان الله، سبحان الله"مرتين، تعجبا من كون تراب قبره صار مسكا، وكونه ضمه "حتى عرف ذلك"التعجب المدلول عليه بالتسبيح"في وجهه"الشريف،"فقال:"الحمد لله"شكرا له على تفريجه عن سعد،"لو كان أحد ناجيا من ضمة القبر"من الأمم، صالحهم وطالحهم، إلا الأنبياء لكونهم خصوا بأنهم لا يضغطون كما في الأنموذج، ولا ترد فاطمة أم علي رضي الله عنهما؛ لأن نجاتها لسبب اضطجاعه صلى الله عليه وسلم في قبرها، ولا قارئ الإخلاص في مرض موته؛ لأن نجاته لسبب هو القراءة، والمنفي أنه لم ينج أحد منها بلا سبب، أو هي خصوصيات لا تنقض الأمور الكلية"لنجا منها سعد"لكن لم ينج أحد، فلم ينج سعد"ضم ضمة، ثم فرج الله عنه".

قال الحكيم الترمذي: سبب هذه الضمة أنه ما من أحد إلا وقد ألم بخطيئة ما، وإن كان صالحا، فجعلت هذه الضغطة جزاء له، ثم تدركه الرحمة، ولذا ضغط سعد للتقصير في البول، فأما الأنبياء فلا ضم ولا سؤال لعصمتهم ا. هـ. وهذا الحديث المرسل له شاهد.

قال ابن إسحاق: حدثني معاذ بن رفاعة، عن محمود بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح، عن جابر قال: لما دفن سعد، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبح صلى الله عليه وسلم، فسبح الناس معه، ثم كبر، فكبر الناس معه، فقالوا: يا رسول الله مم سبحت، فقال:"لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرج الله عنه"، ولم يقولوا كم كبرت؛ لأن الذي يقال عند التعجب إنما هو التسبيح، فسألوا عن سببه.

قال ابن هشام: ومجاز هذا الحديث قول عائشة، قال صلى الله عليه وسلم:"إن للقبر لضمة، لو كان أحد منها ناجيا لكان سعد بن معاذ".

وفي رواية يونس الشيباني، عن ابن إسحاق حدثني أمية بن عبد الله قال: قلت لبعض أهل سعد: ما بلغكم في هذا؟ فقال: ذكر لنا أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك، فقال:"كان يقصر في بعض الطهور من البول بعض التقصير"، ومعلوم أن تقصيره لم يكن على وجه يؤدي إلى فساد عبادته، ولكنه مخالف للأولى، كترك الجمع بين الحجر والماء في الاستنجاء، فضمه القبر ليعظم ثوابه ولتنبيه غيره حيث أخبرهم الصادق بسبب الضمة، فيحترزون عن خلاف الأولى وإن جاز.

وقد روى الحافظ أبو سعيد بن الأعرابي في معجمه, والبيهقي وابن منده، أن عائشة قالت: يا رسول الله ما انتفعت بشيء منذ سمعتك تذكر ضغطة القبر، وصوت منكر ونكير، فقال:"يا عائشة، إن ضغطة القبر - أو قال- ضمة القبر على المؤمن كضم الأم الشفيقة يديها على رأس ابنها، يشكو إليها الصداع فتغمز رأسه غمزا رفيقا، وصوت منكر ونكير، كالكحل في العين، ولكن يا عائشة"ويل للشاكين في الله، أولئك الذين يضغطون في قبورهم ضغطة البيض على الصخر"". وزعم أن المراد بالمؤمن الذي هذا شأنه من لم يحصل منه تقصير، فلا ينافي ما تقدم عن سعد لا يصح، فإنه لم يتقدم عنه شيء ينافي هذا الحديث، حتى ينفي، وقد يكون مراد المصطفى أن هذا العبد الصالح الذي شهده سبعون ألف ملك، واهتز له عرش الرحمن، لا يضمه القبر أسا، ولا كضم الأم ابنها إكراما له، وإن كان يقصر بعض التقصير في البول، فذلك مغفور في جنب بعض حسناته التي منها حكمه في مواليه بحكم الله، فتعجب من ضمه، وهذا هو الظاهر من كلام الروض، فإنه قال: وأما ضغطه في قبره، فروي عن عائشة، فذكر الحديث، وعزاه لمعجم بن الأعرابي كما ذكرته.

"وأخرج ابن سعد"محمد الحافظ"عن أبي سعيد"سعد بن مالك،"الخدري"الصحابي، ابن الصحابي"قال: كنت ممن حفر لسعد قبره, فكان يفوح علينا المسك كلما حفرنا،"وكفى بهذا منقبة عظيمة، وهذا أيضا شاهد لما قبله.

"قال الحافظ مغلطاي وغيره: وفي هذه السنة"سنة خمس"فرض الحج"فقد وقع في حديث ضمام ذكر الأمر بالحج، وقدومه سنة خمس، كما ذكره الواقدي، فيدل على فرضه فيها أو تقدم،"وقيل: سنة ست، وصححه غير واحد من الجمهور"لأنه نزل فيها قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ، بناء على أن المراد بالإتمام الفرض لقراءة علقمة ومسروق والنخعي وأقيموا، رواه الطبراني بأسانيد صحيحة عنهم، أما على أن المراد الإكمال بعد الشروع فلا،"وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة ثمان، ورجحه جماعة من العلماء"لبعثه صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد أميرا على الحج تلك السنة، وهو أول أمراء الحج، وقيل: سنة تسع، وقيل: عشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت