فهرس الكتاب

الصفحة 561 من 847

فإن قيل ما الحكمة في هجرته عليه السلام إلى المدينة وإقامته بها إلى أن انتقل إلى ربه عز وجل؟

أجيب: بأن حكمة الله تعالى قد اقتضت أنه عليه السلام تتشرف به الأشياء، لا أنه يتشرف بها، فلو بقي عليه السلام في مكة إلى انتقاله إلى ربه لكان يتوهم أنه قد تشرف بها، إذ إن شرفها قد سبق بالخليل وإسماعيل، فأراد الله تعالى أن يظهر شرفه عليه السلام فأمره بالهجرة إلى المدينة، فلما هاجر إليها تشرفت به، حتى وقع الإجماع على أن أفضل البقاع الموضع الذي ضم أعضاءه الكريمة صلوات الله وسلامه عليه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يقلبي {وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الإسراء: 80] "، قوة تنصرني بها على أعدائك."

"أخرجه الترمذي وصححه"هو و"الحاكم"في المستدرك

"فإن قيل: ما الحكمة في هجرته عليه السلام"من مكة"إلى المدينة وإقامته بها إلى أن انتقل إلى ربه عز وجل"وهلا أقام بها إذ هي دار أبيه إسماعيل التي نشأ ومات بها وفي حديث:"قبر إسماعيل في الحجر"، رواه الديلمي عن عائشة مرفوعا بسند ضعيف.

"أجيب بأن حكمة الله تعالى قد اقتضت أنه عليه السلام تتشرف به الأشياء"حتى الأزمنة والأمكنة"لا أنه يتشرف بها، فلو بقي عليه السلام في مكة إلى انتقاله إلى ربه لكان يتوهم أنه قد تشرف بها إذ إن شرفها قد سبق بالخليل وإسماعيل، فأراد الله تعالى أن يظهر شرفه عليه السلام فأمره بالهجرة إلى المدينة"، ولذا لم تكن إلى الأرض المقدسة مع أنها أرض المحشر والمنشر وموضع أكثر الأنبياء، لئلا يتوهم ما ذكر أيضا"فلما هاجر إليها تشرفت به"لحلوله فيها وقبره بها،"حتى وقع الإجماع"كما حكاه عياض والباجي وابن عساكر"على أن أفضل البقاع الموضع الذي ضم أعضاءه الكريمة صلوات الله وسلامه عليه"حتى من الكعبة لحلوله فيه، بل نقل التاج السبكي عن ابن عقيل الحنبلي أنه أفضل من العرش، وصرح الفاكهاني بتفضيله على السماوات، بل قال البرماوي: الحق أن مواضع أجساد الأنبياء وأرواحهم أشرف م كل ما سواها من الأرض والسماء.

ومحل الخلاف في أن السماء أفضل أو الأرض غير ذلك، كما كان شيخنا شيخ الإسلام البلقيني يقرره، انتهى.

يعني: وأفضل تلك المواضع القبر الشريف بالإجماع، واستشكله العز بن عبد السلام بأن معنى التفضيل أن ثواب العمل في أحدهما أكثر من الآخر، وكذا التفضيل في الأزمان وموضع القبر الشريف لا يمكن العمل فيه؛ لأن العمل فيه يحرم فيه عقاب شديد، ورد عليه تلميذه العلامة الشهاب القرافي بأن التفضيل للمجاورة والحلول كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود، فلا يمسه محدث ولا يلابس بقذر، لا لكثرة الثواب وإلا لزمه أن لا يكون جلد المصحف بل ولا المصحف نفسه أفضل من غيره لتعذر العمل فيه، وهو خلاف المعلوم من الدين بالضرورة وأسباب التفضيل أعم من الثواب، فإنها منتهية إلى عشرين قاعدة وبينها في كتابه الفروق، ثم قال: بل إنها أكثر وإنه لا يقدر على إحصائها خشية الإسهاب.

وقال التقي السبكي: قد يكون التفضيل بكثرة الثواب، وقد يكون لأمر آخر وإن لم يكن عمل فإن القبر الشريف ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة وله عند الله من المحبة ولساكنه ما تقصر العقول عنه، فكيف لا يكون أفضل الأمكنة؛ وأيضا فباعتبار ما قيل كل أحد يدفن في الموضع الذي خلق منه وقد تكون الأعمال مضاعفة فيه باعتبار حياته - صلى الله عليه وسلم- به، وإن أعماله مضاعفة أكثر من كل أحد.

قال السمهودي: والرحمات النازلات بذلك المحل يعم فيضها الأمة وهي غير متناهية لدوام ترقياته - صلى الله عليه وسلم، فهو منبع الخيرات، انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت