من الكنايات الشائعة الواضحة ما جاء في سورة الأعراف بشأن بني إسرائيل الذين اتّخذوا العجل الذهبيّ يعبدونه من دون الله، حينما ذهب موسى عليه السلام لمناجاة ربّه، لأنّهم استبطئوا عودته إذْ زاد الله له الميعاد من ثلاثين ليلة إلى أربعين ليلة، ثمّ لمّا رأوه من بعيد راجعاً إليهم وبيده الألواح ندموا على ما فعلوا ندماً شديداً ورأوا أَنَّهم قد ضَلُّوا، قال الله عزَّ وجلَّ فيها: {وَلَمَّا سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين} [الآية: 149] .
جاء في هذه الآية الكناية عن نَدَمِهم وخوفهم من سطوة موسى عليه السلام وعقابه، إذ خالفوا موعدهم الذي واعدوه إيّاه أنْ لا يُغَيّروا ولا يبدّلُوا في الدين شيئاً بعبارة: {سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ} .
قال أهل التفسير: أي: نَدِمُوا وتَحيَّرُوا.
قال الزّجاج: هُوَ نظمٌ لم يُسْمَع قبل القرآن ولم تَعْرِفه العرب.
أقول: هو كنايَةٌ عن نَدَمِهم وشدّة خوفهم، وأصْلُ هذه الكناية أنّ الْمُجْرِمَ إذا أدْرَكَهُ الجنود أسرعوا فأسقطوا بعُنْفٍ في يَدَيْهِ الْقَيْدَ الحديدّي حتَّى لاَ يَفِرَّ، فإذا فعلُوا به ذلك ارتخت أعصابه، ووهَنَتْ عزائمه، وأيْقَنَ أنّه مَسُوق للعقاب.
وهؤلاء الذين اتخّذوا العجل الذهبيّ الذي عبدوه أحْسُّوا بمثل هذا لمَّا رَأَوْا من بعيدٍ موسَى عليه السلام راجعاً إليهم ومعه الأَلواح، كأنّه قد حَصَل سُقوطُ قيدٍ حَدِيدىٍّ في أيديهم، وسيلاقون عقابهم.
هذه الكناية أُرِيدَ منها لاَزِمُها وهو الشعور بالندم والخوف من العقاب مع العجز عن الفرار، وهي كناية ذاتُ إبداعٍ فنّي رائع، وهي من الكنايات الخفيّة مع عدم وجود وسائط بين المكنَّى به والمكنَّى عنه.