فهرس الكتاب

الصفحة 510 من 516

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(39)}

ونلاحظ هذا العنصر الجمالي في قول الله تعالى في سورة النور: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40) } .

القيعة: كالقاع وهو ما استوى من الأرض.

لُجِّيّ: أي عظيم عميق.

وفي قوله تعالى عقب النّص السابق بآيتين: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43) } .

يُزْجي: يَسُوق برفق.

رُكَاماً: أي: بعضه فوق بعض.

الوَدْق: المطر.

سَنَا: ضَوْء.

أَلَسْنا نلاحظ في هذه الأمثلة الثلاثة إتقاناً عجيباً في إبراز دقائق الصورة، مع استيفاء العناصر اللازمة لإِبراز الحقيقة بشكل واضح وجميل، ومع ترك جوانب في الصورة يتابعها الفكر وحده، ويستكملها الخيال بنفسه.

فالصورة في المثال الأوّل قدّمت أعمال الكافرين على شكل سراب، يراه الظمآن السائر في الصحراء وهو بعيد عنه ماءً، فيسعى إليه ليشرب من مائه، ويُطْفِئَ ظمأه، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، لأنَّه كان انعكاس أشعةٍ تُخيِّل للناظر إليه من بعد أنّه ماء.

وكذلك حال الكافر الذي يقدِّم أعمالاً يَظُنُّ أنّها تُسعدهُ في دنياه، أوتنفعه في آخرته، وما هي في الحقيقة إلاَّ بمثابة سراب، وهو إذا وصل إلى موطن المحاسبة والجزاء على الأعمال، لم يجد أعماله شيئاً، لأنّها لم تكن ثمرة إِيمان بالله واليوم الآخر، بل وجد الله عنده هو الذي له الحكم والأمر، وبيده الحساب والجزاء، فوفّاه حسابه بعدله وحكمته، فحاسبه على كفره، فسقط بالمحاسبة على الكفر كلُّ عمل صالح كان قد عمله، لأنّه لم يكن قائماً على أساس مقبول عند الله.

والصورة في المثال الثاني صوّرت الحالة النفسيَّة والفكرية والقلبية للّذين كفروا، بعد أنْ تركوا نور الهداية الربّانيّة، بحالة من هو في ظلماتِ قاعِ بحرٍ عميق، فوقه أمواج في العمق تزيد الظلمة، فوقها أمواج في السطح تضاعف الظلمة، فوقها سحاب يزيد الظلام ظلاماً، ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يقارب رؤيتها لشدّة الظلمة.

ومن كان كذلك فلا بدّ أن يسلك مسالك المهالك.

وكذلك حال الذين كفروا في أعمالهم، وفي تحديد الغاية من أعمالهم، وفيما يقرّرون من أسباب لذلك. إنَّهم يطلبون سعادتهم في الظلمات، فقلوبُهُمْ مظلمة بالكفر، ونُفُوسُهمْ تائهة في بحر لُجيّ من ظلمات الأهواء والشهوات، وأفكارُهُمْ تسبح في ظلمات أسباب لذّات الحياة الدنيا، وإراداتُهم تتخبّط تحت كلّ هذه الظلمات.

والصورة في المثال الثالث رسمت حركة السُّحب الخفيفة الموزّعة، وكيفية سوقها الرفيق، ثم رسمت التأليف بينها وتجميعها، حتّى تُغَطِّي ما فوقها من سماء، ثم رسمت تكديس بعضها على بعض حتى تتراكم وتكون كالجبال القائمة بين السماء والأرض.

ثم انتقلت الصورة إلى رسم خروج حبّات المطر من خلال السحاب المتراكم، وتركت للخيال سائر الظواهر التي تحدث، ليتمّها بنفسه من رعد وبرق ورياح.

ثم انتقلت إلى ظاهرة نزول البَرَد بدل المطر، وألمحت إلى أنّ السحاب المتراكم يكون في هذه الحالة بمثابة جبالٍ من بَرَدٍ اجتمع بعضه إلى بعض، إذْ قد جمَّدت البرودة وحدات مائيّة فيها فكانت بَرَداً.

ولمّا كان المطر أقرب إلى أن يكون ظاهرة رحمة، والبَرَد أقرب إلى أن يكون ظاهرة عذاب مع احتمال خلاف ذلك في كل منهما، رتّبت الآية على كُلٍّ منهما قوله تعالى: {فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ} أي: رحمةً كان أو عذاباً.

ثم رسمت الصورة لمحة من ظاهرة البرق، فقال تعالى: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بالأبصار} .

فكم في هذه الأمثلة من إتقان في إبراز دقائق الصورة، مع استيفاء العناصر اللاّزمة لإِبراز الحقيقة بشكل واضح وجميل، ومع ترك جوانب منها يستطيع الخيال أن يستكملها بنفسه دون عناء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت