فاختار النّص كلمة"كَسَبَتْ"لجانب العمل الصالح، واختار كلمة"اكْتَسَبَتْ"لجانب العمل السيِّئ، مع أنَّ كلاًّ من اللّفظين يستعمل في كلٍّ من المعنيين، ولكنْ لما اجتمع المعنيان في نصٍّ واحد مفرّقين في موضعين منه، دعا الجمال الأدبي أنْ يُوجَدَ تفريق في اللّفظين، ولو في الصيغة فقط مع اتحاد مادة الكلمة، يضاف إلى ذلك ما في كلمة (اكتَسب) من معنى التكلّف الذي يُنَاسِبُ حَمْل الوزر.
وفي آيات أخرى اجتمع المعنيان، ولكن غير مفرّقين في موضعين من النّص، أو انفرد كلٌّ منهما في النّص بنفسه، فجاء التعبير تارة بكسب في العمل الصالح والعمل السيِّئ، أو في أحدهما، وتارة بـ"اكتسب"فيهما أيضاً أو في أحدهما.
والمتدبّر للقرآن عندئذٍ لا يلحظ في صيغة"اكتسبت"أكثر من زيادة معنى التكلّف، وأنّ العمل قد كان فيه عَطَاءٌ يَزِيدُ عل العطاء في العمل العادي.
{لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ... }
في هذا النصّ طباق بين المعنى الذي دلّ عليه الحرف في {لَهَا} والمعنى الذي دلَّ عليه الحرفُ في {عَلَيْهَا} فَلفْظُ {لَهَا} على الثواب، ولفظ {عَلَيْهَا} دلَّ على المؤاخذة أو العقاب.
وطباق بين المعنى الذي دلّ عليه فعل"كَسَبَ"وهو الطاعة وفعل الخير، والمعنى الذي دلَّ عليه فعل"اكْتَسَبَ"وهو المعصية والذّنب.
(فائدة)
{لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ... }
جاء في هذا النصّ تلاؤم بين اللّفظ المختار والمعنى المراد به، إذْ جاء فيه التفريق بين ما يدلُّ على فعل الحسنات وما يدلُّ على فِعْلِ السيئات، فاختير فيه فعلُ
"كَسَبَ"الذي يُسْتَعْمَل في مكاسب الحياة الدنيا من مالٍ وغيره مراداً به فعل الحسنات والخيرات، لأنها ثَرْوَةٌ يَدَّخرها الإِنسان، فتنفَعُهُ في دنياه وأخراه، وإنْ شقَّ فعلُهَا على نفسه.
واختير فيه فعلُ"اكْتَسَب"الذي فيه معنى تَكَلُّف حَمْل الْعِبْء مراداً به فعلُ السّيئات والمعاصي والآثام، لأنّها أوزارٌ وأحمالٌ ثقيلة تأتيه بأنواعٍ من العذاب في دنياه وأُخراه، وإِنْ جلَبَتْ له لَذَّةٌ عاجلة، وهانَ فِعْلُها على نفسه.