فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 516

{وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(72)}

الداعي الخامس: وقد يختار المتكلم النكرة قاصداً بالتنكير التقليل، وتدُلُّ القرائن على قصد التقليل، وإذْ دلَّت القرائن عليه حَسُنَ في الكلام حذف الوصف الدالّ على القلّة، والاكتفاء بدلالة التنكير مع دلالة قرينة الحال أو قرينة المقال.

أمثلة

* قول الله عزَّ وجلَّ في سورة التوبة: وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ

طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ ذلك هُوَ الفوز العظيم [الآية: 72] .

جاءَ لفظ"رِضْوانٌ"مُنْكَراً، وقرينة كونه من الله مع كونه أكبر من كلّ ما في جنّات عَدْنٍ مِنْ نعيم دليلٌ على أنّ المراد: ورضوانُ قليلٌ من اللهِ يُفْرِغُهُ على أهل جناتِ عَدْنٍ هو أكبر عندهم وأعظم من كلِّ ما فيها من نعيم.

وقد تنبّه علماء البلاغة إلى أنه لم يرد في القرآن سلامٌ من جهة اللَّهِ إلاَّ مُنكّراً، لأنَّ سلاماً قليلاً من جهته عزَّ وجلَّ كافٍ لتحقيق كُلّ ما يطلُبُهُ العبادُ مِنْ أمن أو تحيَّة، مثل: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ - سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ - سَلاَمٌ على نُوحٍ - سَلاَمٌ على إِبْرَاهِيمَ - سَلاَمٌ على موسى وَهَارُونَ - وَسَلاَمٌ على المرسلين - فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين} .

قالوا: وأمّا عيسى عليه السلام: {والسلام عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} [الآية: 33] كما جاء في سورة مريم فقد جاء مُعَرَّفاً لأنَّه ورد على لسان عيسَى الطفل في دعائه لنفسه، بخلاف الذي ورد بشأن يحيى عليه السلام في السورة نفسها بياناً صادراً عن الله عزَّ وجلَّ، إذْ جاء فيه قوله تعالى: {وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} [الآية: 15] .

* قول المتنبّي يمدح سيف الدولة:

فَيَوْماً بِخَيْلٍ تَطْرُدُ الرُّومَ عَنْهُمُ ... وَيَوْماً بِجُودٍ يَطْرُدُ الْفَقْرَ والْجَدْبَا

نكّر لفظ"خيل"ونكّر لفظ"جود"وهو يريد: بعدد قليل من الخيل، وبمقدارٍ قليل من الجود، وقد دلّ التنكير فيهما على التقليل ما في السّباق والسّياق من المدح والإِطراء البالِغَيْنِ من المتنبيّ لسيف الدولة، وهذا يقتضي أن يطرد الروم بقليل من خيله، وأن يطردَ جودٌ قليلٌ منه الفقر والجدْبا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت