فهرس الكتاب

الصفحة 362 من 516

{أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ...(17)}

وقول الله تعالى في سورة الرعد: {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ... } .

أسند فيه السيلان إلى الأودية، مع أنَّ السيلان للماء فيها، ولكنَّنا حين نقرأ أو نسمع هذا الكلام نلمَس المقصود به من وراء فاصل وهو ساتر المجاز، إِذْ أُسنِد السيلان للمحلّ، وهو هنا الأودية، ومع لمْس المراد من رواء الساتر نحسّ بزينة خاصّة في هذا الساتر، وبفكرة مضافة، وهي أنّ النّاظر إلى تدفّق الماء في الأودية، وتدافع أمواجه، يتوهّم في لحظات الانبهار أنّ الأودية تجري أيضاً مع الماء، وهذا معنى بديع يضفي على الكلام زينة حلوة، ويصوّر حالة التخيّل التي تعتري الناظرين المندهشين.

إنّ هذا الأسلوب الذي هو وسط بين الأسلوب المباشر السافر، والأسلوب غير المباشر، أسلوب يتّسع لإضافة زينات أدبيّة كثيرة، تضفي على الكلام جمالاً، ورَوْنقاً وبهاءً، مع ما في هذه الزينات من أفكار ودلالات يمكن إضافتها، ومن تصوير فنّيّ بديع يمكن أنْ يقدّمه الأديب البارع عن طريقها.

(فائدة)

قوله تعالى: {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا}

إنَّ الصورة البلاغيّة في النَّص تتلخَّص بإسناد السيلان إلى الوادي، مع أنّ المراد سيلان الماء فيه. فهل انتهينا من البحث.

إنَّ الذي يملك الحسَّ الأدبي الرفيع يقول: لا. لأنَّه يتساءل: ولماذا أسند السيلان إلى الوادي بدل إسناده إلى الماء؟ وما الدَّاعي إلى ذلك وما هو الغرض منه؟

وبالتأمّل يجد الجواب على تساؤله، إذ يرى أنَّ الغرض الفكري البياني من هذا الإِسناد هو إعطاء السامع أو القارئ صورة تُشْعِرُ على سبيل التخيّل بأنَّ الوادي يسيل فعلاًَ لكثرة تدفّق الماء وارتفاع نسبته في جانبي الوادي.

وهذه الصورة قد تحدث في وهم الإِنسان أو في تخيّلاته حينما يشاهد هدير الماء الكثير الذي يغمر قدراً كبيراً من الوادي.

فالتعبير إذن تصوير صادق لما يَجْرِي في التخيُّل لدى مشاهدة الحدث المادي.

إذن ينبغي للأديب أن يراعي ذلك في كلامه، وعليه أن يلاحظ باستمرار أنّ كبار البلغاء حينما يعطفون في كلامهم عن مجراه إلى صُوَر بلاغيّة يختارونها إنَّما يفعلون ذلك لأغراض فكريَّة بيانيَّة يهدفون إليها، ولا يكتفون باختيار الصُّوَر البلاغيّة لمجرّد أنَّها صور بلاغيّة، وهذا ما يعطي كلامهم ارتقاء أدبياً عظمياً، وجمالاً مكثَّفاً مضاعفاً.

(فائدة أخرى)

(نقل الأسماء أو الصِّفات من مواضعها الطبيعيَّة وإضفاؤها على غيرها)

ومن بديع هذا النَّقل أيضاً قول الله تعالى: {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} ففيه إضفاء السيلان على الأودية، وهي لماء السيول فيها، لأنَّ الأودية حينما تسيل فيها السيول العارمة تُوقِعُ في خيال المُشَاهِد المندهش أنّ الأودية والجبال أنفُسَها تسيل مع حركة المياة الجارفة فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت