فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 516

{فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ ...(194)}

إنّ مقابلة الاعتداء بمثله لا يُسَمَّى في الأصل اعتداءً، ولكنْ سوَّغ هذا الإِطلاق داعي المشاكلة، ولِيُعْطيَ اللَّفْظُ معنى المماثلة في تطبيق العُقُوبَةِ دون زيادة، لأنّ معنى كلمة"اعتدى"في الأصل تجاوز حُدُود الحقّ، ومن العدل أن يُقَابَلَ التجاوز مماثل له.

فاعْتَدُوا عليه أي: فجازُوه، أُطْلِقَ فعْلُ"اعتدوا"بمعنى جازوا، لأنّ هذا الجزاء كان سَبَبُهُ اعتداءَ من اعتدى، فأُطْلِق على المُسَبَّب اللفظ الدالّ على السَّبَب، فالعلاقة السببيّة.

وفائدة استعمال هذا المجاز الدلالةُ على العدل الذي هو حق المعتَدَى عليه.

(5) قول الشاعر الجاهلي"عمرو بن كلثوم":

أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَد عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا

فَنَجْهَلَ: أي: فنجازِيَه بمثل عمله، وإنْ كان هذا الجزاء لا يُسَمَّى جَهْلاً، لكن لمّا كانَ مُسَبَّباً عن جَهْلِ الجاهلين صَحَّ أن يُطْلِقَ عليه مجازاً الاسم الذي يُطْلَق على السبب. وفائدته الإِشارة إلى العدل.

(5) قول امرئ القيس يخاطب صاحبته:

أَغَرَّك مِنّي أَنَّ حُبَّكِ قاتِلِي ... وأَنَّكِ مَهُمَا تَأَمُرِي الْقَلْبَ يَفْعَلِ

أطلق"الْقَلْبَ"وهو جزء منه، وأرَادَ كُلَ ذَاتِهِ، وهذا من إطلاق الجزء وإرادة الكُلّ.

والغرض البياني الإِشعار بأنّ حُبَّها الذي في قلْبِه، يجعله ذا سلطانٍ عليه، وهذا السلطان ينتقل من القلب المسيطر على ذاته لتكون ذاتُه كلُّها مُطيعة لأوامرها.

(6) قول ابن المعتز في مَمْدوحه:

سَالَتْ عَلَيْهِ شِعَابُ الْحَيّ حِينَ دَعا ... أَنْصَارَهُ بِوُجُوهٍ كالدَّنَانير

أطلق لفظ"الوجوه"وأراد أنصاره من الرِّجَال، وهذا من إطلاق الجزء وإرادة الكُلّ على طريقة المجاز المرسل.

والغرض البياني الإِشعارُ بأنّ الناس حين يُقْبِلون جمّاً غفيراً كالسيول المتحدّرة في الشعاب، إنّما تُرى منهم وجوههم، فلا يُدَقِّق الناظر إليهم النظرَ في سائر أجسامهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت