فهرس الكتاب

الصفحة 445 من 516

{قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) }

تقسيمات الاستعارة في المفرد

تنقسم الاستعارة في المفرد إلى تقسيمات متعدّدات باعتبارات مختلفات، وفيما يلي تفصيلٌ وبيانٌ للمهمّ منها:

التقسيم الأوّل

تقسيم الاستعارة في المفرد إلى أصليّة وتبعيّة

رأى البيانيون تقسيم الاستعارة في المفرد إلى قسمين:

القسم الأول: الاستعارة الأصليّة، وهي التي يكون اللّفظ المستعار فيها اسماً جامداً، مثل:"أسد - بدر - شمس - ظبي"ونحوها.

القسم الثاني: الاستعارة التبعيّة، وهي التي يكون اللفظ المستعار فيها فِعْلاً، مثل: أشْرَقَ - يُشْرِقُ - أَشْرِقْ"أو اسماً مشتقاً، مثل:"جَارِح - مَجْروح - جَرِيح - مَقْتَلَة - مَحْرقة -"أو حرفاً من حروف المعاني، مثل:"اللام الجارّة - مِنْ - في - لن -"."

لقد رأى البيانيّون أنَّ التشبيه الذي هو أصل الاستعارة وعلاقتها يكون أوّلاً في الأسماء الجامدة، ومنها المصادر.

وبعد التشبيه الذي يكون في المصدر يُشْتَقُّ من المصدر الفعل الماضي، أو المضارع، أو الأمر، ثم يُشْتَقُّ اسم الفاعل، أو اسم المفعول، أو الصفة المشبّهة، أو اسم الزمان، أو اسم المكان، أو نحو ذلك.

* وبناءً على هذا التصوّر اعتبروا استعارة الأفعال والمشتقات من الأسماء إنّما كانت تبعاً للاستعارة في المصادر، وأجْرَوا الاستعارات فيها على هذا الأساس.

فإذا قال المتشكِّي من نوائب الدهر:"عَضَّنَا الدّهْرُ بِنَابِه"بمعنى أوقع بنا المصائب، قالوا:

شَبَّه وقع المصائب بالعضّ الذي هو مصدر فعل"عَضّ"بجامع الإِيلام في كلٍّ من المشبَّه والمشبَّهِ به، ثمّ استعار كلمة"العضّ"للعمل المؤلم الذي تُحْدِثُه النوائب، ثمّ اشتَقَّ من"العضّ"الذي هو مصدرٌ فِعْلَ"عَضَّ"فكان هذا الاشتقاق أمراً تابعاً للاستعارة في الاسم الجامد الذي هو المصدر.

فَسَمَّوا كُلَّ ما كان من هذا القبيل استعارةً تبعيّة.

* وكذلك رأوا في استعارة الحرف للدلالة به على معنى حرف آخر.

مثل: استعارة حرف"في"الجار الذي يدلُّ على الظّرْفية للدلالة به على معنى حرف"على"الذي يُدلُّ على الاستعلاء.

ورأوا أنّ أصل هذه الاستعارة تشبيه العلوّ المثبّت بالشَّيْءِ تثبيتاً قويّاً بالشيء الدّاخل في شيءٍ آخر دخولاً انْدِمَاجيّاً، أو دخولاً ظرفيّاً، واسْتُعِير لهذا المعنى اسْمٌ يدلُّ على هذا الدخول، ثمّ استغني عنه بحرف الجرّ"في"الذي يدلُّ على الظرفية، استعارة تابعةً للاستعارة في الاسم الجامد، لأنّ معاني الحروف تابعةٌ لمعاني الأسماء.

وتُلاحَظُ هذه الاستعارة فيما حكى الله عزَّ وجلَّ في سورة طه عن قول فرعون لِسَحَرته متوعّداً لهم بعد أن آمَنُوا بِرَبّ موسى وهارون: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} .

لقد رأى البيانيّون في عبارة: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل} استعارةَ حرف الجرّ"في"للدلالة به على معنى حرف الجرّ"على".

ورأوا أنّ علاقة هذه الاستعارة تشبيه العلوّ المثبّت في الجذوع بدخول شيءٍ في شيءٍ آخر، لأنّ تثبيتهم في الجذوع قد يكون بمسامير تدخل فيها، ولمّا كان حرف"في"يفيد هذا المعنى فقد حَسُنَت استعارته على طريقة الإستعارة التبعيّة، باعتبار أنّ معاني الحروف تابعة للمعاني في الأسماء.

مع أنّ مثل هذا المثال ليس من اللاَّزِم أن يكون وارداً على سبيل الاستعارة في الحرف، بل الأقرب أن يكون الكلامُ جَارياً على طريقة التَّضْمِين، وهو هنا تضمين فعل: {لأُصَلّبنكم} معنى فعل آخر يتعدّى بحرف الجرّ"في"فعُدِّي تعديته، وأصل الكلام: لأصلبنكم عَلَى جذوع النَّخْل ولأُثَبّتَنَّكُمْ فيها بالْمَسَامِير التي تَدْخُل في الجذوع، فَنَابَتِ التعدية بحرف الجرّ"في"مناب ذكر الفعل الذي حُذِف، وَضُمِّنَ الْفِعْلُ المذكُورُ معناه.

مع هذه المعترضة المتعلقة بهذا المثال أقول:

لاَ نجد متكلّماً فصيحاً بليغاً أديباً يُلاَحِظُ هذه التبعيَّة، لا في الأفعال ولا في المشتقات من الأسماء، ولا في الحروف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت