فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فقضية الأسرى بدأت بالرأي، ثم انتهت بالوحي، وهذه القضية بجملتها شاهدة على أن الرسول Sلا يقول ولا يفعل فيما يتصل بالدين إلا بوحي من عند الله سبحانه، وأن الله سبحانه لا يدع رسوله Sعلى غير صواب، حتى في حالة تصرفه برأيه واجتهاده وذلكم هو الأمر الهام الذي نَوَّهنا به قبلًا، وخلاصته أن قول الرسول Sوفعله في أمور الدين وحي، حتى ولو قال برأيه، لأنه إن قال أو فعل برأيه وكان صوابًا موافقًا لأمر الله أقره الله تعالى على ذلك، وكان إقرار الله سبحانه له دليلًا على موافقة عمله لمراد الله تعالى فيكون وحيًا، وإن كان اجتهاد الرسول Sليس صوابًا موافقًا لمراد الله سبحانه فإن الله تعالى لا يقره على ما قال أو فعل اجتهادًا، بل يصوب له ويصحح، وذلك كما حدث في أسرى بدر، حيث نزل فيها القرآن مصوبًا؛ وكما حدث في أوائل سورة"عبس"حيث نزل القرآن معاتبًا، وهكذا يتضح أن واقعة أسرى بدر شاهدة بأن السُنَّة وحي من عند الله تعالى، وأن الله سبحانه يحيط أقوال وأفعال رسوله بالوحي حتى ولو اجتهد برأيه.
وفيصل الأمر في الشبهات التي أثاروها ظانين أنها دليل على أن السُنَّة النبوية ليست وحيًا؛ أن ما يصدر عن الرسول S نوعان: نوع يفعله بمقتضى بشريته S، دون أن يوحى إليه فيه بشيء، وهذا النوع لا صلة له بالتشريع، وذلك في جل شؤونه المعيشية التي لا يتعلق شيء منها بالدين حلًا أو حرمة ومن ذلك رأيه في تأبير النخل، ومنزل الجيش ببدر، ونوع آخر يفعله S بمقتضى كونه بشرا رسولًا، وفعله هذا إنما يقوم على وحي من قبل الله تعالى، مثل أسرى بدر، فقد اجتهد فيه الرسول S رأيه وآراء محل مشورته من الصحابة رضوان الله عليهم، فنزل الوحي مصوبًا ومبينًا الحكم الصحيح.
الشبهة الثالثة: لم يُرد النَّبِي أن تكون السُنَّة مصدرا ثانيا للتشريع