فهرس الكتاب

الصفحة 4316 من 5466

ولعل قائلًا يقول: إننا نجد كثيرًا من كتب التاريخ المشهورة المرضية عند عامة المسلمين قد ذكرت ما جرى وحصل بين الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ بكل تفصيل وتحليل؛ فلنا فيهم أسوةٌ حسنة، فيسعنا ما يسعهم!!

أقول: إن هذا القول حقّ لا شك فيه؛ فقد ذكرت كتب التاريخ بعامة ما شجر بين الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ بيد أنها لم تذكر ذلك للاستئناس، والتشوّف لأخبارهم والتفكه بحروبهم وقتالهم، ونحو ذلك؛ فحاشاهم ـ رحمهم الله تعالى ـ فهم أبعد الناس عن ذلك.

ولا ننسَ أيضًا أنه كما ثبت في كتبهم ما شجر بين الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ؛ فكذلك قد ثبت تقريرهم لمعتقد السلف عن الكف والإمساك عما شجر بينهم؛ وهذا لم يكن منهم تناقضًا كما يزعمه من ليس له أدنى علم بحالهم؛ فهؤلاء الأئمة قد ذكروا ذلك وسطّروه في كتبهم لأمور مهمة منها:

1-إبراء للذمة؛ فكان من الأمانة العلمية أن يذكروا ذلك حفظًا للتاريخ الإسلامي من عادية المحرفين أهل البدع والأهواء؛ كي لا يُدخَلَ فيه ما ليس منه، أو يُخرج ما هو منه؛ لذا جعلوا من أنفسهم حراسًا على تاريخ الأمة الإسلامية.

2-كان هذا منهم إتمامًا للتاريخ الإسلامي، فكما بدأوا بكتب أوله فكذلك ساروا إلى آخره دون نقص أو ثلب؛ مما قد يجعل للطاعنين علينا سبيلًا.

فهذه الأمم أجمع لا تعتز إلا بعزّ تاريخها، ولا تُذل إلا بضياع تاريخها أو بعضه؛ فتأمل هذا يا رعاك الله.

3-كذلك أرادوا من ذكر أخبارهم ـ رضي الله عنهم ـ وحفظها العبرة والعظة لمن بعدهم، كما ذكر ذلك أبو الفرج ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ: واعلم أن في ذكر السير والتواريخ فوائد كثيرة؛ أهمها فائدتان:

إحداهما: أنه إن ذكرت سيرة حازم ووصفت عاقبة حاله علمت حسن التدبير واستعمال الحزم، وإن ذكرت سيرة مفرط ووصفت عاقبته خفت من التفريط.

ويتضمن ذلك شحذ صوارم العقول، ليكون روضة للمتنزه في المنقول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت