منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء الله عفا عنه وإن شاء عاقبه) [1] .
قال الحافظ: (قال النووي: عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} فالمرتد إذا قتل على ارتداده لا يكون القتل كفارة له) [2] .
فهذه الرخصة إنما هي لأهل القبلة بل إنه من السياق يعلم أنها فيما دون التوحيد وأصل الإيمان، يقول سبحانه: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [3] . فمن لم يحقق هذا القدر من الإيمان فليس داخلا في الخطاب [4] .
وقد نقل الشوكاني عن القرطبي في تفسير قول الله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا} [5] ، قال: (وهذا لم يختلف فيه أن الإثم مرفوع وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام، هل ذلك مرفوع ولا يلزم منه شيء أو يلزم أحكامه، ذلك كله اختلف فيه والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع، فقسم لا يسقط باتفاق كالغرامات والديات والصلوات المفروضات، وقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنطق بكلمة الكفر، وقسم ثالث مختلف فيه كمن أكل ناسيا في نهار رمضان أو حنث ساهيا و مثله مما يقع خطأ ونسيانا ويعرف ذلك في الفرع) [6] .
فتأمل كيف نقل الاتفاق على عدم مؤاخذة من نطق بكلمة الكفر خطأ أي عن غير قصد لتدرك أنه من الخطأ حمل الآية على من أخطأ في اجتهاده ووقع في الكفر.
قال ابن جرير رحمه الله في تفسيره للآية: (فرغبة العبد إلى الله عز وجل بقول: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا} فيما كان من نسيان منه لما أمر بفعله على هذا الوجه الذي وصفنا ما لم يكن تركه ما ترك من ذلك تفريطا منه فيه وتضييعا كفرا بالله - عز
(1) - البخاري -كتاب الإيمان- 18.
(2) - فتح الباري 1/ 87.
(3) - البقرة الآية 285.
(4) - راجع العذر بالجهل تحت المجهر الشرعي ص 214.
(5) - البقرة الآية 286.
(6) - فتح القدير ص 261.