مختلفة وهي مع ذلك ظاهرة للحواس) [1] . فانظر رعاك الله ووفقك لما يحبه ويرضاه- إلى هذا التقسيم الدقيق والتفصيل البين من هذا الإمام المحدث شيخ المفسرين، وإن مما تفيض له المآقي أن تقسيم الدين وإجراء الأحكام تبعا لتقسيمه إلى أصول وفروع، وجد بين الدعاة من يقول ببدعيته دون برهان، فتقول على الله بغير علم، رغم ما ابتلي به من سوء الفهم.
ثم يزيد الأمر وضوحا بقوله رحمه الله في ذكر ما يسع الإنسان جهله من أمور الدين:
(وأما ما أدركت حقيقة علمه منه حسا فغير لازم فرضه أحدا إلا بعد وقوعه تحت حسه، فأما وهو [2] واقع تحت حسه فلا سبيل له إلى العلم به، وإذا لم تكن له إلى العلم به سبيل، لم يجز تكليفه فرض العمل به، مع ارتفاع العلم به. وذلك أنه من لم ينته إليه الخبر بأن الله تعالى ذكره بعث رسولا يأمر الناس بإقامة خمس صلوات كل يوم وليلة، لم يجز أن يكون معذبا على تركه إقامة الصلوات الخمس، لأن ذلك من الأمر الذي لا يدرك إلا بالسماع ومن لم يسمع ذلك ولم يبلغه فلم تلزمه الحجة به، وإنما يلزم فرضه من ثبتت عليه به الحجة) [3] .
ثم قال رحمه الله في نص واضح وضوح شمس النهار على عدم العذر بالجهل في التوحيد: (فأما الذي لا يجوز الجهل به من دين الله لمن كان في قلبه من أهل التكليف لوجود الأدلة متفقة في الدلالة عليه غير مختلفة، ظاهرة للحس غير خفية، فتوحيد الله تعالى ذكره والعلم بأسمائه وصفاته وعدله، وذلك أن كل من بلغ حد التكليف من أهل الصحة والسلامة فلن يعدم دليلا دالا وبرهانا واضحا يدله على وحدانية ربه جل ثناؤه، ويوضح له حقيقة صحة ذلك ولذلك لم يعذر الله جل ذكره أحدا كان بالصفة التي وصفت بالجهل وبأسمائه وألحقه إن مات على الجهل به بمنازل أهل العناد فيه تعالى ذكره والخلاف عليه بعد العلم به، وبربوبيته في أحكام الدنيا وعذاب الآخرة فقال جل ثناؤه: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا *
(1) - التبصير في معالم الدين لابن جرير الطبري ص 112 - 113.
(2) - قال محقق التبصير: (لعله وهو غير واقع) .
(3) - التبصير في معالم الدين 115 - 116.