قال الإمام ابن جرير: (القول فيما أدرك علمه من صفات الصانع خبرا لا استدلالا: أما ما لا يصح عندنا عقد الإيمان لأحد ولا يزول حكم الكفر إلا معرفته [1] فهو ما قدمنا ذكره. وذلك أن الذي ذكرنا قبل من صفاته، لا يعذر بالجهل به أحد بلغ حد التكليف كان ممن أتاه من الله تعالى ذكره رسول أو لم يأته رسول، عاين من الخلق غيره أو لمن يعاين أحدا سوى نفسه.
ولله -تعالى ذكره- أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم أمته لا يسع أحدا من خلق الله قامت عليه الحجة بأن القرآن نزل به، وصح عنده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه به الخبر منه خلافه، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه به من جهة الخبر على ما بينت فيما لا سبيل إلى إدراك حقيقة علمه إلا حسا فمعذور بالجهل به الجاهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالروية والفكرة وذلك نحو إخبار الله تعالى ذكره إيانا أنه سميع بصير، وأن له يدين لقوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء} [2] . وأن له يمينا لقوله: {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [3] . وأن له وجها لقوله: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [4] [5] .
وذكر غيرها من الصفات التي هي عرضة للتأويل فأثبت أن لله قدما وأنه يضحك وأنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا وأنه ليس بأعور وأن المؤمنين يرونه يوم القيامة بأبصارهم وأن له أصابع، ثم قال رحمه الله (فإن هذه المعاني التي وصفت ونظائرها مما وصف الله عز وجل بها نفسه أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم مما لا تدرك حقيقة علمه بالفكر والروية، ولا نكفر بالجهل بها أحدا، إلا بعد انتهائها إليه) [6] .
(1) - قال محقق التبصير: هذا ما في الأصل ولعل الصواب إلا بمعرفته.
(2) - المائدة الآية 64.
(3) - الزمر الآية 67.
(4) - القصص الآية 88.
(5) - التبصير ص 132 - 133.
(6) - التبصير في معالم الدين ص 139.