ثم إن الجهل ليس مانعا من الضلال والعذاب بل هو سبب لهما لا سيما إذا كان صاحبه غير عاجز. قال ابن تيمية رحمه الله (ولفظ الضلال إذا أطلق تناول من ضل عن الهدى سواء كان عمدا أو جهلا ولزم أن يكون معذبا كقوله: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} [1] وقوله تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [2] [3] .
قال تعالى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُوا اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [4] .
قال البغوي: (قرأ الكسائي"هَلْ تَسْتَطِيعُ"بالتاء"رَبُّكَ"بنصب الباء هي قراءة علي وعائشة وابن عباس ومجاهد، أي هل تستطيع أن تدعو وتسأل ربك وقرأ الآخرون"يَسْتَطِيعُ"بالياء و"رَبُّكَ"برفع الباء، ولم يقولوه شاكين بقدرة الله عز وجل ولكن معناه: هل ينزل ربك أم لا كما يقول الرجل لصاحبه هل تستطيع أن تنهض معي وهو يعلم أنه يستطيع، وإنما يريد هل يفعل ذلك أم لا وقيل يستطيع بمعنى يطيع يقال أطاع واستطاع بمعنى واحد، كقوله أجاب واستجاب، معناه هل يطيعك ربك بإجابة سؤالك؟ وفي الآثار من أطاع الله أطاعه الله.
وأجرى بعضهم على الظاهر فقالوا غلط القوم وقالوه قبل استحكام المعرفة وكانوا بشرا، فقال لهم عيسى عليه السلام عند الغلط استعظاما لقولهم (اتقوا الله إن كنتم مؤمنين) أي لا تشكوا في قدرته) [5] .
فيا للعجب من نقول بعض من ينتصر لعذر الجاهلين، فينقل ما قيل من أنهم غلطوا في قولهم وكان ذلك قبل استحكام المعرفة ويترك ما رجحه هذا الإمام المفسر محيي السنة من أنهم لم يشكوا في قدر ة الله بناء على القراءة الأخرى وأقوال الصحابة وغيرهم ..
(1) - الأحزاب الآية 67 - 68.
(2) - طه الآية 123.
(3) - الفتاوى 7/ 166.
(4) - المائدة الآية 113.
(5) - تفسير البغوي في مجلد واحد ص 407.