مناط الآية
قال الشوكاني: (لمانزلت الآية المتقدمة في النهي عن الاستغفار للمشركين خاف جماعة ممن كان يستغفر لهم، العقوبة من الله بسبب ذلك الاستغفار، فأنزل الله سبحانه: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} أي أن الله سبحانه لا يوقع الضلال على قوم، ولا يسميهم ضلالا بعد أن هداهم للإسلام والقيام بشرائعه ما لم يُقدموا على شيء من المحرمات بعد أن تبين لهم ذلك فلا إثم عليهم ولا يؤاخذون به، ومعنى: {حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} حتى يبين لهم ما يجب عليهم اتقاؤه من محرمات الشرع: {إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} مما يحل لعباده ويحرم عليهم، ومن سائر الأشياء التي خلقها) [1] .
فإن من دخل الإسلام محققا التوحيد الذي هو أصله، لا يسمى ضالا بسبب ما غاب عنه من الشريعة ولا يؤاخذ بذلك في الدنيا ولا في الآخرة، لأنه إنما دخل في الإسلام بالتوحيد لا بغيره من الفرائض، فإذا كان جاهلا التوحيد مدعيا الإسلام فلا ينفعه مجرد ادعائه الإسلام.
قال ابن كثير في تفسير الآية (115، التوبة) :(إنه سبحانه لا يضل قوما إلا بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة كما قال تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [2] .
قال ابن جرير: يقول الله تعالى: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوا، فأما قبل أن يبين لكم كراهية ذلك بالنهي عنه، ثم لا تتعدوا نهيه إلى ما نهاكم عنه، فإنه لا يحكم عليكم بالضلال، فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان في المأمور والمنهي وأما من لم يؤمر ولم ينه فغير كائن مطيعا أو عاصيا فيما لم يؤمر به أو ينه عنه) [3] .
فتبين أن مناط الآية متعلق بالأمر والنهي المتوجه لمن حقق التوحيد، فما كان الله ليؤاخذ بفعل منهي عنه أو ترك مأمور به إلا بعد البيان وإقامة الحجة.
(1) - فتح القدير في مجلد واحد ص 740، 741.
(2) - فصلت الآية17.
(3) - مختصر تفسير ابن كثير 2/ 166.