فقيل له ألا تكفر من يكفرك فعاد إلى القول بالتكفير وهذا مذهب المعتزلة فهم يكفرون خصومهم ويكفر كل فريق منهم الآخر.
وقد حكى إمام الحرمين عن معظم أصحاب الشافعي ترك التكفير وقال إنما يكفر من جهل وجود الرب أو علم وجوده ولكن فعل فعلا أو قال قولا أجمعت الأمة على أنه لا يصدر ذلك إلا عن كافر.""
واعلم أن التكفير لمجتهدي الإسلام بمجرد الخطإ في الاجتهاد في شيء من مسائل العقل، عقبة كؤود لا يصعد إليها إلا من لا يبالي بدينه ولا يحرص عليه، لأنه مبني على شفا جرف هار، وعلى ظلمات بعضها فوق بعض، وغالب القول به ناشئ عن العصبية وبعضه ناشئ عن شبه واهية ليست من الحجة في شيء ولا يحل التمسك بها في أيسر أمر من أمور الدين فضلا عن هذا الأمر الذي هو مزلة الأقدام ومدحضة كثير من علماء الإسلام) [1] .
وقد جاء في حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) .
قال الحافظ: (وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم خلافا لمن أوجب تعلم الأدلة وقد تقدم مافيه، ويؤخذ منه ترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين بالشرائع) [2] .
وأهل البدع إنما يطلقها العلماء على المتأولين في مسائل الوعد والوعيد والرؤية وخلق أفعال العباد وأشباه ذلك على تفصيل يراجع في محله. [3]
ومما تقدم نستخلص أنه لا كفر بالتأويل أي في تأويل ما كان عرضة للتأويل رغم إثم المتأول المخطئ في ذلك، أما في مسائل الفروع وهي محل الاجتهاد فإنه يعذر المجتهد المخطئ فيها بالتأويل ولا يأثم بل يؤجر على قدر نيته واجتهاده.
(1) - إرشاد الفحول ص 434.
(2) - الفتح 1/ 252 الطبعة الأولى في ثلاث مجلدات.
(3) - راجع منهاج السنة 3/ 60.