فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 142

قال الحافظ في الفتح - كتاب الصلاة- في الحديث الذي رمى فيه أحدهم مالك بن الدخشم بالنفاق، في ذكر فوائد الحديث (ومنها أن من نسب من يظهر الإسلام إلى النفاق ونحوه بقرينة تقوم عنده لا يكفر بذلك ولا يفسق بل يعذر بالتأويل) [1] .

وقال شيخ الإسلام (وإذا كان المسلم متأولا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة: يا رسول الله: دعني أضرب عنق هذا المنافق، ولم يُكفر النبي صلى الله عليه وسلم لا هذا ولا هذا بل شهد للجميع بالجنة .. ) [2] .

أما من تأول فيما هو معلوم من الدين بالضرورة، نوع تأويل، فإنه يستتاب وإلا كُفِرَ وقُتل، ومثال هذا حادثة قدامة بن مظعون فقد روى عبد الرزاق أنه رأى جواز شرب الخمر لبعض الخواص مستدلا"بقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [3] ."

وكان قد استعمله عمر على البحرين فشهدت عليه امرأته وأبو هريرة وغيرهما أنه شرب الخمر، فأحضره عمر وعزله فلما أراد أن يقيم عليه الحد استدل بالآية فقال له عمر إنه أخطأ التأويل، وأجمع الصحابة على أنه يستتاب هو وأصحابه فإن أقروا بحرمة الخمر أقيم عليهم حد الخمر وإن لم يقروا به كفروا، فرجعوا عن قولهم واتفق الصحابة على جلدهم ولم يكفروهم.

ومثل هؤلاء المتأولين قال فيهم ابن تيمية (يستتابون وتقام الحجة عليهم فإن أصروا كفروا حينئذ، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل) [4] .

فمثل هذا ونحوه مما جاء في الصفات لا يكفر المخطئ فيه إلا بعد إزالة الشبهة وإقامة الحجة، أما ما يتعلق بتوحيد الله وإفراده بالعبادة فالمخطئ في ذلك كافر لا يعذر بما يدعي أنه تأويل، شأنه في ذلك شأن المحاربين لدين الله العابثين بحرماته المحلين لما حرم سبحانه، فإنهم ليسوا سوى متلاعبين بشرع الله مدعين للتأويل ولم يسلكوا مسالكه، وفي ذلك قال

(1) - فتح الباري 1/ 523.

(2) - الفتاوى 3/ 284.

(3) - المائدة الآية 93.

(4) - الفتاوى 7/ 610.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت