وكم آل مثل هذا الطلب إلى الوقوع في الشرك الأكبر، ولذلك عبر عنه بما يؤول إليه لسد الذريعة دونه، كما غلظ رسول الله صلى الله عليه وسلم على من قال له (ما شاء الله وشئت فقال: أجعلت لله ندا) [1] لما قد يؤول إليه من الوقوع في الشرك الأكبر.
معرفة القوم للا إله إلا الله
وكيف يدخل قوم من العرب الإسلام ولا يعرفهم النبي صلى الله عليه وسلم إلههم الذي أسلموا له، أو يؤخر عنهم بيان ما افترض الله عليهم في الحال من كلمة التوحيد لا سيما وقد فهم المشركون معنى هذه الكلمة، فقال الله تعالى عنهم: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [2] ذلك لأن القرآن نزل بلسانهم لإقامة الحجة عليهم وقطع العذر عنهم فقال سبحانه: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [3] فكيف يدرك معنى كلمة التوحيد من كفر ويجهله من آمن؟
أقوال المحققين
وهذا فهم العلماء الواضح وقولهم الموافق لقواعد الشريعة.
قال الشاطبي وهو يتكلم عن اتباع أهل الكتاب في بدعهم: (فقوله حتى تأخذ أمتي بما أخذ القرون قبلها) يدل على أنها تأخذ بما أخذوا به إلا أنه لا يتعين في الإتباع لهم اتباع أعيان بدعهم، بل قد تتبعها في أعيانها وتتبعها في أشباهها فالذي يدل على الأول قوله (لتتبعن سنن من كان قبلكم .. الحديث) فإنه قال فيه (لو دخلوا جُحر ضَبٍ خرب لتبعتموهم) والذي يدل على الثاني قوله فقلنا يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط، فقال عليه السلام: هكذا كما قالت بنو إسرائيل اجعل لنا إلها) الحديث، فإن اتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله لا أنه هو نفسه، فلذلك لا يلزم الاعتبار بالمنصوص عليه ما لم ينص عليه مثله من كل وجه والله أعلم) [4]
فتأمل قوله: (فإن اتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله لا أنه هو نفسه) ثم انظر إلى ما يدعيه المناضلون عن الجهال المخلطون على أهل الضلال.
وقال ابن تيمية رحمه الله: (ولما كان للمشركين شجرة يعقلون بها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط فقال بعض الناس: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال: الله أكبر قلتم كما قال قوم موسى لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم الكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين عليها أسلحتهم فكيف بما هو أطم من ذلك من مشابهتهم المشركين أو هو الشرك بعينه) [5] ، فهذا شيخ الإسلام ينص على أنهم طلبوا مجرد مشابهة الكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها ويعلقون عليها أسلحتهم، ولم يطلبوا الشرك بعينه، فما للقوم يعدلون عن فهم الأئمة المحقيقن إلى تقليد من هو دونهم، والقول بما تأباه نصوص الشرع وقواعده.
روى ابن ماجه (1853) من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم قال: قال (ما هذا يا معاذ؟) قال: أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن أفعل ذلك بك، فقال صلى الله عليه سلم (لا تفعلوا فإني لو أمرت أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ... الحديث) (السلسة الصحيحة 1203) . فقال القوم إن معاذا عبد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا السجود، ولكنه عذره بجهله.
سجود التحية
وقد ذهب العلماء المحققون وعامة المفسرين إلى أن سجود التحية كان مشروعا وأن سجود معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم كان على سبيل التحية، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [6] . فقد نقل ابن كثير عن المفسرين (قالوا: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام كما قال تعالى: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَاوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن
(1) - رواه أحمد (1/ 224) وصححه أحمد شاكر، والبخاري في الأدب المفرد (783) والنسائي في عمل اليوم والليلة (988) وابن ماجه (2117) وفي سنده الأجلح رواه عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس، وفي الأجلح كلام وحديثه حسن، وحسن الحديث الألباني.
(2) - ص الآية 5.
(3) - فصلت الآية 3.
(4) - الاعتصام 2/ 245، 246.
(5) - إقتضاء الصراط المستقيم ص 314.
(6) - البقرة الآية 34.