فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 142

والقرآن زاخر بالدعوة إلى التدبر والتأمل وإعمال العقل للوصول إلى الحقائق خصوصا حقيقة التوحيد وضرورته والشرك وبطلانه، وضرب الله على ذلك الأمثلة للناس لعلهم يعقلون ولو لم يكن قبح الشرك معلوما بالعقل وكذلك حسن التوحيد لما كان لتلك الأمثلة معنى.

قال ابن القيم (وكذلك إنكاره سبحانه قبح الشرك به في إلهيته وعبادة غيره معه بما ضرب به لهم من الأمثال وأقام على بطلانه من الأدلة العقلية ولو كان إنما قبح بالشرع لم يكن لتلك الأدلة والأمثال معنى. وعند نفاة التحسين والتقبيح يجوز في العقل أن يأمر بالإشراك وبعبادة غيره. وإنما علم قبحه بمجرد النهي عنه فيا عجبا! أي فائدة تبقى في تلك الأمثال والحجج والبراهين الدالة على قبحه في صريح العقل والفطرة؟ وأنه أقبح القبيح وأظلم الظلم. وأي شيء يصح في العقل إذا لم يكن فيه علم بقبح الشرك الذاتي وأن العلم بقبحه بديهي معلوم بضرورة العقل. وأن الرسل نبهوا الأمم على ما في عقولهم وفطرهم من قبحه.

والقرآن مليئ بهذا - الأدلة العقلية على بطلان الشرك وقبحه- لمن تدبره كقوله تعالى: {ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [1] . يحتج سبحانه عليهم بما في عقولهم من قبح كون مملوك أحدهم شريكا له، فإذا كان أحدهم يستقبح أن يكون مملوكه شريكه ولا يرضى بذلك، فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء تعبدونهم كعبادتي؟ وهذا يبين أن قبح عبادة غير الله تعالى مستقر في العقول والفطر. والسمع نبه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك.

وكذلك قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [2] . احتج سبحانه وتعالى على قبح الشرك بما تعرفه العقول من الفرق بين حال مملوك يملكه أرباب متعاسرون سيئوا الملكة وحال عبد يملكه سيد واحد قد سلم كله له.

(1) - الروم الآية 28.

(2) - الزمر الآية 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت